انفراج في أزمة قانون المحاماة.. حوار برعاية رئاسة الحكومة يطوي صفحة التصعيد.

محمد المرابطي
بعد أسابيع من التوتر والتصعيد بين وزارة العدل وهيئات المحامين، دخل ملف مشروع قانون مهنة المحاماة مرحلة جديدة عنوانها “التهدئة والحوار”. فقد أعلن مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب تعليق الإضراب المفتوح والعودة إلى العمل بالمحاكم، عقب لقاء جمع رئيس الحكومة عزيز أخنوش برئيس الجمعية، النقيب الحسين الزياني.
اللقاء، الذي انعقد برئاسة الحكومة، أفضى إلى اتفاق يقضي بتأجيل إحالة مشروع القانون على البرلمان، وفتح مشاورات موسعة في إطار لجنة مشتركة تحت إشراف رئيس الحكومة، تضم ممثلين عن الجمعية والسلطات المعنية، بهدف إعادة مناقشة مضامين النص في صيغة تشاركية.
الأزمة اندلعت عقب تمسك وزارة العدل بإحالة مشروع القانون المنظم للمهنة، في ظل اعتراض واسع من طرف المحامين الذين اعتبروا أن المشروع لم يخضع لنقاش مهني كاف، وأنه يمس ببعض التوازنات المرتبطة باستقلالية المهنة وأدوارها الدستورية.
وردّ المحامون بسلسلة من الوقفات الاحتجاجية أمام البرلمان، تلتها خطوة تصعيدية تمثلت في إضراب مفتوح شلّ عدداً من المحاكم، ما وضع الملف في صدارة الاهتمام السياسي والمهني.
غير أن دخول رئاسة الحكومة على خط الوساطة أعاد ترتيب المعادلة، حيث تم الاتفاق على تجميد المسار التشريعي مؤقتاً، مقابل عودة المحامين إلى مزاولة مهامهم ابتداء من الأسبوع المقبل.
مشروع القانون، في صيغته الحالية، يتضمن حزمة من المستجدات التنظيمية، من بينها توسيع أشكال ممارسة المهنة، عبر إتاحة العمل الفردي أو في إطار شراكات محددة أو شركات مهنية، إضافة إلى إمكانية إبرام عقود تعاون مع محامين أجانب، وفق ضوابط تأشيرية ورقابية.
كما ينص المشروع على اعتماد نظام المباراة لولوج المهنة عوض الامتحان، وإرساء مسار تكوين يمتد لثلاث سنوات تقريباً، يجمع بين التكوين النظري بمعهد متخصص والتمرين المهني الميداني، مع إخضاع المحامي المتمرن لامتحان نهاية التمرين لنيل شهادة الكفاءة.
ومن بين المستجدات أيضاً، تعزيز دور التكوين المستمر، وإقرار مسارات تخصصية، إلى جانب مراجعة شروط الترافع أمام محكمة النقض، عبر تحديد أقدمية 15 سنة مع إلزامية تكوين دوري سنوي.
بين تحديث المهنة وضمان التوافق
في الوقت الذي ترى فيه الحكومة أن المشروع يندرج ضمن ورش تحديث منظومة العدالة والارتقاء بمعايير الممارسة المهنية، يؤكد المحامون أن أي إصلاح ينبغي أن يتم في إطار توافق مهني واسع يحفظ استقلالية الدفاع ويصون أعراف المهنة وتقاليدها.
المرحلة المقبلة ستشكل اختباراً لمدى قدرة اللجنة المشتركة على بلورة صيغة توافقية تجمع بين متطلبات الإصلاح وضمانات الاستقلال المهني، خصوصاً أن الملف يتجاوز البعد التنظيمي ليطال موقع المحامي داخل منظومة العدالة وأدواره في حماية الحقوق والحريات.
إن عودة المحامين إلى المحاكم تنهي عملياً مرحلة التصعيد، لكنها تفتح في المقابل ورشاً تفاوضياً جديداً قد يعيد صياغة عدد من مقتضيات المشروع. ويبقى الرهان الأساسي هو تحويل لحظة التوتر إلى فرصة لإرساء مقاربة تشاركية قادرة على إنتاج نص قانوني متوازن، يجمع بين متطلبات التحديث وثوابت المهنة.
وبين منطق الإصلاح المؤسسي ومنطق الدفاع عن المكتسبات، تبدو المرحلة الحالية محطة مفصلية في مسار إعادة تنظيم مهنة تعد أحد أعمدة العدالة في المغرب.



