المغرب في قلب “العاصفة الكاملة” لحرب الخليج الرابعة: اختبار جديد لصلابة السيادة الاقتصادية

حدث بريس : متابعة
يعيش العالم على وقع توتر غير مسبوق منذ اندلاع المواجهة العسكرية في الخليج أواخر فبراير الماضي، بعدما دخلت العمليات المتبادلة بين أطراف الصراع مرحلة أكثر حدة، لتتحول من مواجهة إقليمية إلى أزمة اقتصادية عالمية مفتوحة على كل الاحتمالات. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، يبرز المغرب كأحد البلدان التي تجد نفسها أمام منعطف استراتيجي حساس، وفق ما خلص إليه تقرير حديث صادر عن مركز سنابل للدراسات والسياسات العمومية، بتوقيع مشترك للدكتورة حكيمة الحيطي والدكتور نبيل عادل
* مضيق هرمز.. من ممر للطاقة إلى بؤرة اختناق عالمي
التطور الأخطر في هذه الحرب تمثل في تعطل جزء واسع من البنية النفطية الإماراتية وشلل الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الشرايين الحيوية للطاقة في العالم، والذي تمر عبره نسبة تقارب 20% من الاستهلاك النفطي العالمي. هذا التحول دفع بأسعار النفط إلى الاستقرار فوق مستوى 110 دولارات للبرميل، فيما قفزت أسعار الغاز في الأسواق الأوروبية بنحو 85%.
ويرى معدّو التقرير أن العالم لا يواجه مجرد موجة ارتفاع ظرفية في الأسعار، بل يقترب من سيناريو ركود تضخمي حاد يعيد إلى الواجهة أجواء أزمة 1973، حيث يتزامن التضخم المرتفع مع تباطؤ اقتصادي يضغط على الاقتصادات المستوردة للطاقة.
* المغرب تحت ضغط مزدوج: الكلفة واللوجستيك
بالنسبة للمغرب، لا يتوقف الخطر عند ارتفاع فاتورة الاستيراد، بل يمتد إلى سؤال الأمن الطاقي نفسه. فالتقرير يدق ناقوس الإنذار بشأن محدودية المخزون الاستراتيجي من المحروقات، الذي لا يغطي سوى ما بين 15 و20 يوماً، في وقت تنص فيه المقتضيات القانونية على حد أدنى يبلغ 60 يوماً.
هذا الوضع يضع المملكة أمام ضغط مالي ولوجستي متزايد، خاصة مع بلوغ سعر لتر الغازوال حوالي 13 درهماً، وما يرافق ذلك من تداعيات مباشرة على كلفة النقل وأسعار المواد الأساسية. كما يُرتقب أن يزداد عجز الميزان التجاري بنحو 20%، ما يضاعف الضغط على المالية العمومية والقدرة الشرائية للأسر.
* الفوسفاط.. فرصة استراتيجية بشروط معقدة
في المقابل، يمتلك المغرب إحدى أهم الأوراق الرابحة في هذه المرحلة، والمتمثلة في قطاع الفوسفات. فاضطراب الإمدادات الإقليمية وغياب بعض المنافسين عن السوق العالمية رفع الطلب على الأسمدة المغربية إلى مستويات قياسية، ما يفتح آفاقاً واعدة لزيادة الصادرات وتعزيز المداخيل بالعملة الصعبة.
غير أن التقرير يلفت الانتباه إلى مفارقة تقنية دقيقة؛ إذ إن تصنيع الأسمدة يعتمد بشكل أساسي على استيراد مادة الأمونيا، التي ترتبط أسعارها بشكل مباشر بأسعار الغاز الطبيعي. ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في الاستفادة من ارتفاع الطلب، بل في تأمين مدخلات الإنتاج وضمان استمرارية سلاسل التوريد.
* خارطة طريق نحو سيادة اقتصادية أكثر صلابة
أمام هذا السياق الدولي المتقلب، يدعو مركز سنابل إلى تبني مقاربة جديدة قوامها ثلاثة محاور رئيسية:
– تعزيز سيادة التخزين: عبر إعادة بناء الاحتياطات الوطنية من المحروقات والمواد الحيوية بشكل عاجل.
– إصلاح منظومة الدعم: بالانتقال من الدعم الشامل إلى دعم رقمي مباشر يستهدف الفئات الأكثر هشاشة بدقة وفعالية.
– تسريع التحول الطاقي: من خلال توسيع الاستثمار في الطاقات المتجددة والكهربة، لتقليص تبعية الاقتصاد الوطني لتقلبات أسواق الطاقة الدولية.
* اختبار صمود لنموذج السيادة الوطنية
ويخلص التقرير إلى أن ما يواجهه المغرب اليوم يتجاوز حدود التدبير الظرفي للأزمة، ليصل إلى مستوى اختبار حقيقي لقدرة النموذج الوطني على الصمود في عالم تتزايد فيه هشاشة سلاسل الإمداد وتتحول فيه الطاقة إلى أداة نفوذ جيوسياسي.
في ظل هذه التحولات، يبدو أن مغرب 2026 مطالب بإعادة صياغة أولوياته الاقتصادية بمنطق استباقي، يوازن بين تدبير الصدمة الآنية وبناء استقلالية استراتيجية طويلة الأمد، في عالم أصبحت فيه السيادة الطاقية عنواناً مركزياً لأمن الأوطان.



