السعيدية… بين رهانات المخطط الوطني للساحل وتحديات التنزيل على أرض الواقع

ابراهيم ادريسي
تُعد مدينة السعيدية من أبرز الوجهات الساحلية بالمملكة، بالنظر إلى ما تزخر به من مؤهلات طبيعية وموقع استراتيجي يؤهلها للاضطلاع بدور محوري ضمن منظومة السياحة الساحلية المستدامة. غير أن وتيرة تطورها خلال السنوات الأخيرة تطرح أكثر من علامة استفهام بشأن مدى التقاطع بين الأهداف المسطرة في إطار المخطط الوطني للساحل، والواقع العملي الذي تعرفه المدينة.
ويهدف المخطط الوطني للساحل، المؤطر بالقانون رقم 81.12، إلى إرساء رؤية متكاملة تقوم على حماية الشريط الساحلي، وتنظيم التوسع العمراني، وضمان الولوج إلى الملك البحري العمومي، إلى جانب تحقيق تنمية اقتصادية متوازنة تحترم البيئة وتستجيب لحاجيات الساكنة المحلية. غير أن تفعيل هذه التوجهات على مستوى مدينة السعيدية يواجه مجموعة من الإكراهات المرتبطة بالتدبير والحكامة الترابية.
وفي هذا السياق، يسجل متتبعون للشأن المحلي أن النموذج التنموي المعتمد بالمدينة ما يزال رهينًا بطابع موسمي، حيث تعرف السعيدية انتعاشًا ظرفيًا خلال الفترة الصيفية، قبل أن تعود إلى حالة من الركود خلال باقي أشهر السنة، وهو ما ينعكس على الدينامية الاقتصادية المحلية، وعلى استقرار فرص الشغل وجاذبية الاستثمار.
كما تبرز تحديات أخرى مرتبطة بتدبير الشريط الساحلي، من ضمنها الضغط العمراني، وضعف صيانة الفضاءات العمومية، وتراجع جاذبية بعض المرافق، إضافة إلى إشكالات تتعلق بولوج المواطنين إلى الشاطئ، رغم ما ينص عليه الإطار القانوني من كون الساحل ملكًا عموميًا مشتركًا.
وأكد فاعلون محليون أن تقييم تجربة السعيدية لا يندرج في إطار معارضة الاستثمار أو التشكيك في أهمية التنمية السياحية، بقدر ما يندرج ضمن مقاربة نقدية بناءة تروم تشخيص مكامن الخلل، والدعوة إلى تصحيح الاختلالات التي حالت دون تحقيق الأهداف المتوخاة. فالتنمية، حسب هؤلاء، لا تُقاس فقط بحجم المشاريع، وإنما بمدى استدامتها واحترامها للتوازنات البيئية وانعكاسها الإيجابي على عيش الساكنة.
ويضيف المتحدثون أن المرحلة الراهنة تستدعي فتح نقاش مؤسساتي وعمومي حول مستقبل المدينة، في أفق تفعيل مقتضيات المخطط الوطني للساحل بشكل فعلي، وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، وترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يضمن إعادة الاعتبار للسعيدية كمدينة ساحلية قادرة على تحقيق تنمية متوازنة ومستدامة.
وتبقى السعيدية، في نظر المتتبعين، مؤهلة لتشكل نموذجًا وطنيًا في مجال تدبير السواحل، بالنظر إلى مؤهلاتها الطبيعية والبشرية، شريطة توفر رؤية واضحة وفعالة للتنزيل، تضمن التوازن بين الاستثمار، وحماية البيئة، وخدمة المصلحة العامة.



