احتجاج دبلوماسي وخطاب مزدوج: استدعاء القائم بالأعمال بعد وثائقي فرانس 2 يعرّي تناقض الرواية الجزائرية

ابراهيم ادريسي
أعلنت وزارة الخارجية الجزائرية استدعاء القائم بالأعمال بالسفارة الفرنسية في الجزائر، احتجاجًا على بث القناة العمومية الفرنسية “فرانس 2” فيلمًا وثائقيًا وصفته بأنه يتضمن “أكاذيب وافتراءات” وإساءات بحق الدولة الجزائرية ومؤسساتها ورموزها. خطوة قُدّمت رسميًا بوصفها دفاعًا عن السيادة ورفضًا لأي تدخل في الشؤون الداخلية، لكنها في العمق أعادت فتح ملف أقدم وأكثر تعقيدًا: ملف ازدواجية الخطاب الجزائري في التعامل مع مفهوم السيادة والإساءة والتدخل.
سيادة تُستدعى عند الحاجة
البيان الجزائري جاء محمّلًا بمصطلحات ثقيلة: “اعتداء واضح”، “حملة مسيئة”، “تصعيد للممارسات المعادية”. غير أن هذا السقف المرتفع في اللغة لا يخلو من مفارقة. فالجزائر التي ترفع اليوم راية عدم التدخل، لم تتردد في مناسبات كثيرة في توظيف إعلامها العمومي وشبه العمومي للتعليق المباشر على أوضاع دول أخرى، وانتقاد خياراتها السيادية، بل وتوجيه إساءات سياسية وإعلامية لرموزها ومؤسساتها.
هنا يبرز التناقض الجوهري: هل يصبح التدخل مرفوضًا فقط عندما تكون الجزائر هي المستهدفة، ومقبولًا أو مبررًا حين يصدر عنها؟
إعلام عمومي بميزانين
تدين الجزائر بث وثائقي عبر قناة عمومية فرنسية، معتبرة أن ذلك لا يمكن فصله عن موقف الدولة الفرنسية. هذا المنطق، إن أُخذ بجدية، ينسحب تلقائيًا على الإعلام العمومي الجزائري نفسه، الذي لم يلتزم في محطات عديدة بخطاب الحياد، بل انخرط في صراعات سياسية وإقليمية، وقدّم روايات هجومية تجاه دول أخرى، دون أن تُطرح داخليًا أسئلة “الاعتداء” أو “الإساءة” أو “خرق الأعراف”.
وإذا كانت مشاركة السفير الفرنسي في الوثائقي تُعدّ، من وجهة نظر الجزائر، خرقًا للأعراف الدبلوماسية، فإن صمتها عن أدوار إعلامها الرسمي في حملات مشابهة خارج حدودها يرسّخ صورة خطاب مزدوج، يغيّر معاييره بحسب موقع الفاعل لا بحسب طبيعة الفعل.
من حق الرد إلى صناعة الخصومة
الدول تملك حق الاعتراض والرد، وحق الدفاع عن صورتها وروايتها. غير أن تحويل كل مادة إعلامية مثيرة للجدل إلى أزمة دبلوماسية، وكل نقد خارجي إلى “اعتداء”، يشي بأن السلطة في الجزائر تميل إلى إدارة صورتها بمنطق الصدام لا بمنطق التنافس السردي.
بدل توظيف أدوات الرد الإعلامي، أو فتح نقاش مهني حول ما ورد في الوثائقي، أو حتى اللجوء إلى القنوات القانونية، جرى القفز مباشرة إلى أعلى درجات التصعيد الرمزي: استدعاء دبلوماسي، وبيان شديد اللهجة، وتأطير الحدث كجزء من “ممارسات معادية”. وهو أسلوب يحقق تعبئة داخلية سريعة، لكنه لا يعالج أصل الإشكال: هشاشة الخطاب حين يُبنى على الاستثناء لا على القاعدة.
سيادة أم حصانة من المساءلة؟
تكمن الإشكالية الأعمق في الخلط المتزايد بين مفهوم السيادة ومفهوم الحصانة من النقد الخارجي. فالدول الواثقة من مؤسساتها لا ترى في كل إنتاج إعلامي أجنبي تهديدًا وجوديًا، بل تحديًا سرديًا يُجابَه بالمعطيات، وبالشفافية، وبإتاحة المجال لرواية مضادة.
أما حين تُقدَّم السيادة بوصفها درعًا ضد أي رواية غير مرغوب فيها، فإنها تتحول من مبدأ قانوني إلى أداة سياسية لإغلاق النقاش، في الخارج كما في الداخل.
ازدواجية تُضعف ولا تحمي
المشكلة، في النهاية، ليست في استدعاء القائم بالأعمال في حد ذاته، بل في السياق الخطابي الذي يرافقه. فدولة تطالب الآخرين بعدم التدخل في شؤونها، مطالَبة أخلاقيًا وسياسيًا بأن تلتزم هي المبدأ نفسه. ودولة ترفض الإساءة لرموزها، لا يمكنها أن تتسامح مع الإساءة لرموز غيرها حين تصدر عن منابرها.
هذه الازدواجية لا تحصّن صورة الجزائر، بل تضعفها، لأنها تكشف أن مفهوم السيادة يُستعمل أحيانًا كسلاح خطابي، لا كقاعدة سلوك ثابتة. ومع كل أزمة من هذا النوع، يتكرس الانطباع بأن الخطاب الرسمي أقل انسجامًا مع ممارساته، وأكثر توظيفًا للمظلومية السياسية.
ختاما
استدعاء القائم بالأعمال الفرنسي بعد وثائقي “فرانس 2” قد يقدَّم كرسالة قوة، لكنه في الوقت ذاته يسلّط الضوء على مأزق أعمق: مأزق خطاب يطالب بما لا يلتزم به، ويدين ما يمارسه، ويرفع شعار السيادة حين يُمسّ، ويتجاهله حين يتجاوز حدوده.
وفي عالم تحكمه السرديات بقدر ما تحكمه المصالح، لا تُقاس قوة الدول بحدّة بياناتها فقط، بل بمدى اتساق خطابها مع سلوكها. وهو الامتحان الحقيقي الذي أعاد هذا الحدث طرحه على الجزائر، قبل غيرها.



