وجهات نظر

ابراهيم ادريسي يكتب… قراءة في الكواليس السياسية تحضيرا للاستحقاقات النيابية بوجدة بين مقاعد جاهزة وأخرى على حافة الانفجار…

 

 

في سياق التحضير للاستحقاقات التشريعية المقبلة، والتي تفصلنا عنها حوالي ستة أشهر، يفرض الواقع السياسي والتنظيمي الحالي نفسه كمنطلق أساسي لأي قراءة تحليلية موضوعية.

وفي قراءة أولية لموازين القوى، يمكن تسجيل معطيين بارزين:

أولًا، أن حزب العدالة والتنمية، رغم غيابه الحالي، يبقى قادرًا على العودة بقوة في حال عودة “صقوره” إلى الواجهة، وعلى رأسهم عبد العزيز افتاتي، وهو ما قد يضعه مباشرة ضمن المرشحين لاقتناص مقعد برلماني بشكل مريح.

وثانيًا، أن حزب الأصالة والمعاصرة مرشح للدفع بوجه انتخابي من خارج المنظومة الحالية للحزب محليًا، في محاولة لإعادة ترتيب أوراقه وضخ نفس جديد في قواعده بعد تحوله من حزب الشخص الرمز الى حزب المؤسسة .

هذا المقال لا يسعى إلى استشراف “ميركاطو” سياسي مرتقب أو التنبؤ بتحالفات قد تعيد تشكيل الخريطة الحزبية، بقدر ما يركز على قراءة المشهد كما هو اليوم، في ظل القوانين الانتخابية السارية التي لم يطرأ عليها أي تعديل إلى حدود الساعة.

انطلاقًا من هذا الواقع المعاش، يطرح السؤال الجوهري نفسه:

لو أُجريت الانتخابات التشريعية اليوم…

من هم الأوفر حظًا للظفر بالمقاعد الأربعة المخصصة لدائرة وجدة الانتخابية؟

ومن يملك قاعدة انتخابية صلبة تؤهله للمرور؟

ومن يمكن اعتباره “الحصان الأسود” القادر على قلب موازين التوقعات؟

ومن هم أولئك الذين يبدون قريبين من الظفر بمقعد، دون أن تبلغ حظوظهم اليوم درجة الحسم؟

هي إذن محاولة لقراءة موازين القوى كما هي، بعيدًا عن التوقعات غير المؤسسة، ووفق معطيات اللحظة الراهنة بكل تعقيداتها.

مشهد سياسي بلا زعامة مطلقة

أول ما يلفت الانتباه في المشهد السياسي بوجدة وجهة الشرق عمومًا، هو حالة الفراغ النسبي في القيادة الحزبية. فلا وجود اليوم لحزب قادر على الانفراد بالريادة أو فرض هيمنة انتخابية واضحة، في ظل غياب شخصيات وازنة قادرة على تعبئة القواعد الانتخابية بشكل حاسم، كما كان الحال في مراحل سابقة.

في هذا السياق، يبرز حزب الأصالة والمعاصرة كقوة لا تزال تحتفظ بحد أدنى من التماسك، رغم تراجع وهجه مقارنة بفترات سابقة كان فيها يقود القافلة بثبات. ومع ذلك، تبدو حظوظه قائمة بقوة للظفر بمقعد برلماني بأريحية نسبية، خاصة مع الحديث عن الدفع بمرشح جديد من خارج الدائرة التقليدية للأسماء المستهلكة، بما يعيد ضخ دماء جديدة داخل الحزب محليًا.

العدالة والتنمية… الغائب الحاضر

في المقابل، يواصل حزب العدالة والتنمية غيابه عن المشهد السياسي المحلي، دون مؤشرات واضحة على عودة وشيكة. هذا الغياب يجعل حظوظه الحالية شبه منعدمة. غير أن المعادلة قد تنقلب بسرعة في حال عودة قياداته الميدانية ووجوهه المعروفة إلى ساحة الفعل السياسي، حيث يمكن حينها الحديث عن إمكانية استعادة موقع انتخابي معتبر، بل وحتى الظفر بمقعد بشكل مريح.

التجمع الوطني للأحرار… قوة انتخابية تبحث عن الانسجام

أما حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي تصدر نتائج الانتخابات السابقة، فيعيش وضعًا داخليًا يتسم بنوع من التباين في وجهات النظر بين مكوناته المحلية. هذا التباين و ان كان ظاهرة صحية، إلى جانب غياب بعض الأسماء ذات الثقل الانتخابي عن الدينامية الحزبية، قد يؤثر نسبيًا على أدائه.

ورغم ذلك، يظل الحزب رقمًا صعبًا في المعادلة الانتخابية، مع توقعات قوية بحصوله على مقعد برلماني مريح، شريطة قدرته على إعادة ترتيب بيته الداخلي في أقرب الآجال. وهنا يبرز دور القيادة الجهوية في رأب الصدع وتوحيد الصفوف، بالنظر إلى ما تحظى به من مصداقية وثقة داخل الحزب.

الاتحاد الاشتراكي… رهان الاستمرارية

من جهته، يواصل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية حضوره من خلال الأداء البرلماني لممثله، الذي أبان عن دينامية واضحة في الترافع عن قضايا الإقليم. هذا الحضور ساهم في الحفاظ على تماسك القاعدة الانتخابية للحزب محليًا، رغم بعض التوترات على المستوى المركزي.

وعليه، تبدو حظوظ الحزب قائمة بقوة للحفاظ على مقعده، خاصة إذا ما استمر في تعبئة قواعده التقليدية وتعزيز امتداداته الاجتماعية والقبلية.

اليسار… الحصان الأسود المحتمل

الأحزاب اليسارية، التي عادت بقوة إلى الواجهة خلال السنوات الأخيرة، خاصة على مستوى التدبير المحلي بمدينة وجدة، تبرز كأحد أبرز المرشحين للعب دور “الحصان الأسود” في هذه الانتخابات.

فحضورها الميداني، إلى جانب قدرتها في الترافع عن المدينة و مصالحها و نجاحها في تسويق منجزاتها إعلاميًا، يمنحها زخمًا متصاعدًا. غير أن مفتاح هذا الصعود يظل رهينًا بقدرتها على توحيد صفوفها وتقديم مرشح مشترك. أما في حال استمرار التشتت، فإن ذلك قد يؤدي إلى تبديد الأصوات والاكتفاء بنتائج قريبة من العتبة دون ترجمتها إلى مقعد فعلي.

الحركة الشعبية… ملاذ الغاضبين ومفاجأة محتملة

في زاوية أخرى من المشهد، يبرز حزب الحركة الشعبية ليس فقط كقوة كامنة، بل كمرشح للتحول إلى منصة استقبال للغاضبين من داخل أحزاب أخرى، خصوصًا أولئك الذين قد يتضررون من “الميركاطو السياسي” المرتقب خلال مرحلة إعادة ترتيب اللوائح وتوزيع التزكيات.

فغالبًا ما تفرز هذه المرحلة توترات داخلية وصراعات صامتة، تدفع ببعض الأسماء الكبيرة ذات الحضور الانتخابي،منها من يتراس مجلس ترابي كبير، إلى البحث عن بدائل سياسية تحفظ لها موقعها في السباق. وفي هذا السياق، قد يشكل الحزب وجهة مفضلة لاحتضان هذه الطاقات الغاضبة، ما قد يمنحه دفعة غير متوقعة.

ورغم أن حظوظه الحالية تبدو محدودة وفق معطيات اللحظة، إلا أن قدرته على استقطاب هذه الكتلة الانتخابية قد تعيد رسم موقعه داخل الخريطة، وتضعه ضمن مفاجآت الاستحقاق، وربما في مراتب متقدمة.

خلاصة المشهد

إذا ما أُجريت الانتخابات اليوم، فإن القراءة الأولية لموازين القوى تشير إلى شبه حسم لمقعدين لصالح كل من حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة، فيما ستظل المقاعد المتبقية مفتوحة على تنافس محتدم بين باقي الفاعلين السياسيين، كلٌّ حسب قدرته على استثمار الزمن الانتخابي المتبقي.

في النهاية، تبقى هذه القراءة المتواضعة التي قد تحتمل الخطأ اكثر من الصواب ، رهينة بلحظتها، قابلة للتحول مع أي تغير في المعطيات، لأن السياسة، بطبيعتها، لا تعترف بالثبات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى