وجهات نظر

ابراهيم ادريسي يكتب… سوسيولوجيا التحول الرمزي في كرة القدم: من تعاطف العالم مع “المستضعف” إلى مقاومة “القوة الصاعدة” – حالة المنتخب الوطني المغربي

تهدف هذه الدراسة إلى تحليل التحول في تمثلات الرأي العام الكروي العالمي تجاه المنتخب المغربي، من صورة “الفريق المستضعف” الذي يحظى بالتعاطف والدعم، إلى صورة “القوة الصاعدة” التي تُقابل بالحذر، والمقاومة، وأحيانًا بالشماتة. وتنطلق من مقاربة سوسيولوجية للرياضة تستحضر مفاهيم الرأسمال الرمزي، والهوية الجماعية، والصراع على المكانة داخل الهرم الكروي العالمي، لفهم أسباب تغيّر مواقف جماهير من دول كروية كبرى كانت، إلى عهد قريب، تميل نفسيًا ورمزيًا إلى مساندة المغرب.

كرة القدم: أكثر من لعبة، حقل اجتماعي للصراع الرمزي

لم تعد كرة القدم مجرد منافسة رياضية، بل غدت حقلًا اجتماعيًا تتقاطع داخله السياسة والاقتصاد والهوية والتمثلات الجماعية. داخل هذا الحقل، تتصارع المنتخبات والأمم والجماهير ووسائل الإعلام من أجل امتلاك الرأسمال الرمزي: أي الشرعية، والهيبة، والمكانة، والاعتراف العالمي.

في هذا السياق، لا تُقاس القوة فقط بعدد الألقاب، بل بالتموقع داخل الهرم الرمزي لكرة القدم العالمية. تاريخيًا، احتلت أوروبا وأمريكا اللاتينية قمّة هذا الهرم، بينما وُضعت إفريقيا – ومن ضمنها المغرب – في موقع الهامش التنافسي: فضاء يُنتج القصص الملهمة أكثر مما يُنتج القوى المهيمنة.

التعاطف مع “المستضعف”: تفسير نفسي اجتماعي

خلال كأس العالم 2022، تموضع المنتخب المغربي داخل المخيال العالمي بوصفه “الفريق المستضعف” الذي يتحدى القوى التقليدية. وسوسيولوجيًا، تميل الجماهير العالمية إلى مساندة الطرف الأضعف بفعل ثلاث آليات رئيسية:

أولًا، آلية التماهي الأخلاقي، حيث يرى المتفرج في المنتخب الصغير صورة الإنسان العادي في مواجهة القوى الكبرى.

ثانيًا، الرغبة في كسر الهيمنة، أي الميل إلى رؤية النظام الرمزي القائم وهو يتعرض للاهتزاز ولو مؤقتًا.

ثالثًا، الحاجة إلى السرد الدرامي، إذ تقوم كرة القدم بوظيفتها الثقافية عبر إنتاج قصص غير متوقعة تمنح المنافسة معناها العاطفي.

في هذا الإطار، راكم المغرب رأسمالًا رمزيًا من نوع خاص: رأسمال التعاطف، الذي ترجمته موجة تشجيع عالمية عابرة للانتماءات والهويات.

حين يتحول الاستثناء إلى قاعدة

ما بعد 2022 لم يكن استمرارًا عاديًا، بل انتقالًا بنيويًا مدعومًا بتراكم الإنجازات: نصف نهائي كأس العالم، التتويج العالمي لفئة الشباب، برونزية الألعاب الأولمبية، والتقدم اللافت في التصنيف الدولي.

هذا التراكم نقل المغرب من خانة “الحدث” إلى خانة “المشروع”. وفي علم الاجتماع، حين يتحول الاستثناء إلى نمط، يفقد جاذبيته الرومانسية، ويكتسب بدلًا منها وظيفة تهديدية داخل الحقل التنافسي. لم يعد المغرب قصة تُروى، بل قوة تُراقَب وتُحسب لها الحسابات.

وهنا حدث انقلاب في التمثل الاجتماعي: من منتخب “يُحب لأنه يفاجئ”، إلى منتخب “يُقلق لأنه قادر على الإقصاء”.

من رأسمال التعاطف إلى رأسمال الإرباك

مع هذا التحول، انتقل المغرب إلى امتلاك نوع جديد من الرأسمال الرمزي: رأسمال الإرباك. في هذه المرحلة يتراجع التشجيع الخارجي، وتتصاعد مظاهر الشماتة عند الإخفاق، ويتحوّل خطاب الإعلام من الاحتفاء إلى التقويم والضغط والمساءلة.

هذا السلوك الجماهيري لا يعكس عداءً بقدر ما يعكس اعترافًا ضمنيًا بالندية. فالجماهير لا تشمت إلا فيمن تعتبره منافسًا حقيقيًا، ولا تفرح بسقوط إلا من كان صعوده مقلقًا لمنظومة التفوق التقليدي.

الفرح بسقوط المغرب: دفاع رمزي عن المواقع

يمكن قراءة بعض ردود الفعل العالمية تجاه تعثر المغرب بوصفها شكلًا من أشكال الدفاع الرمزي عن المواقع داخل هرم كرة القدم الدولية. فالقوى الكروية الكبرى لا تخشى خسارة مباراة، بل تخشى تآكل احتكارها للشرعية الرمزية: من يمثل القمة؟ من يملك حق الحضور الدائم في الأدوار النهائية؟ ومن يحتكر صورة “الأمة الكروية العظمى”؟

إن صعود المغرب يربك هذه الحدود غير المعلنة، ولذلك يُقابل لا بالتصفيق… بل بالحذر، وأحيانًا بالتمنّي الصريح للإقصاء.

المغرب غادر منطقة القصص ودخل منطقة النخب

سوسيولوجيًا، يمكن القول إن المنتخب المغربي غادر موقع “الضيف الاستثنائي” ودخل موقع “الفاعل البنيوي” داخل كرة القدم العالمية. وهذا الانتقال يفرض تحولًا في الوعي الجمعي المغربي: من انتظار الاعتراف إلى بناء الاستمرارية، ومن البحث عن الحب إلى ترسيخ الهيبة، ومن منطق المفاجأة إلى منطق المشروع طويل المدى.

في هذه المنطقة، لا تُمنح المكانة… بل تُنتزع.

ولا يُصنع المجد بالتصفيق… بل بإعادة إنتاج القوة.

وإذا كان العالم قد كفّ عن تشجيع المغرب، فذلك لأنه ببساطة لم يعد يرى فيه قصة جميلة، بل أصبح يرى فيه منافسًا حقيقيًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى