ابراهيم ادريسي يكتب… الذكرى 50 لحرب أمغالا … “الطريحة” المغربية التي أوجعت الجنرالات الجزائريين

في مثل هذا اليوم من سنة 1976، لم تكن أمغالا مجرد قرية صغيرة في عمق الصحراء المغربية، بل عنوان ثقيل في الذاكرة العسكرية والسياسية للمنطقة. هناك، وبعد أسابيع فقط عقب المسيرة الخضراء المظفّرة التي أعادت الصحراء إلى حضن الوطن، تلقّى الجيش الجزائري ما يمكن وصفه، دون مواربة، بـ“الطريحة” التي لم ينسها الجنرالات عبر التاريخ الحديث**.
من الاستفزاز إلى الحسم العسكري
جاءت أحداث أمغالا في سياق إقليمي متوتر، حين حاولت الجزائر، عبر دعم عسكري لميليشيات انفصالية، فرض أمر واقع جديد في الصحراء المغربية. اعتبرت قيادة الجزائر هذه المناورة محدودة، لكن على الأرض تحولت المواجهة إلى اصطدام مباشر مع القوات المسلحة الملكية.
في أمغالا الأولى، لم يربح المغرب مجرد اشتباك عسكري، بل فرض معادلة ردع واضحة: الصحراء ليست ساحة فراغ، والجيش المغربي ليس طرفًا رمزيًا.
الهزيمة المزدوجة للجيش الجزائري
أسفرت المعركة عن هزيمة ميدانية نكراء للوحدات الجزائرية المتوغلة، وسقوط عدد من الجنود والضباط في الأسر. من بين هؤلاء، الضابط الشاب سعيد شنقريحة، الذي أصبح لاحقًا رئيس أركان الجيش الجزائري، ليظل اسمه مرتبطًا في الذاكرة غير الرسمية بـ “أمغالا”.
رغم أن المغرب أفرج عن الأسرى لاحقًا ضمن وساطات عربية، فإن الحقيقة العسكرية والسياسية ظلت واضحة: المغرب كتب درسًا لا يُمحى، والجزائر لم تنسَ ذلك أبدًا.
أمغالا الثانية: محاولة فاشلة للانتقام
رغم إعلان المغرب وقف العمليات من جانب واحد، شهدت المنطقة لاحقًا خرقًا للوضع القائم عبر هجوم ليلي على مواقع مغربية، فيما عُرف بـ معركة أمغالا الثانية (28 فبراير 1976). لكن الرد المغربي جاء سريعًا، منظمًا، ومدروسًا، لتطهير المنطقة واسترجاعها بالكامل. مرة أخرى، تلقت الجزائر الدرس ذاته، وهذه المرة التأكيد على تفوق القوات المسلحة الملكية في التخطيط والتنفيذ.
خطة الكماشة والعبقرية المغربية
نجاح المغرب في أمغالا لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج تخطيط دقيق وعقيدة قتالية واضحة. مناورات “الكماشة” سمحت بعزل الوحدات المتوغلة، شلّ حركتها، وإجبارها على الاستسلام. هذه العقلية العسكرية أكسبت الجيش المغربي هيبة حقيقية في الصحراء، وحوّلت أي محاولة جزائرية للتوغل إلى فشل متكرر.
خمسون عامًا… والطريحة لا تُنسى
بعد خمسين عامًا، لا تزال “الطريحة” المغربية في أمغالا تتردد في أروقة المؤسسة العسكرية الجزائرية، كجرح لم يلتئم ولا يُنسى. هذه المعركة، التي أظهرت قوة الجيش المغربي وحنكة قادته، أصبحت السبب الخفي للعداء المزمن والمستمر لعسكر الجزائر تجاه المغرب.
فكل خطاب متشنج، وكل مناورة هجومية، وكل تصريحات رسمية مشحونة بالعداء، ما هي إلا صدى الطريحة التي تلقاها الجيش الجزائري يومها، والتي ما زالت تؤرق ذكريات الجنرالات، وتذكّرهم أن الصحراء المغربية خط أحمر، وأن التاريخ كتب درسًا لا يُمحى.





