وجهات نظر

إبراهيم بيه يكتب: الإدارة بين الاتكال والمبادرة الحرة… من المدير الرئيس إلى المدير القائد

في كثير من المؤسسات، سواء كانت تعليمية أو إدارية أو مدنية، يظهر نمطان متباينان من القيادة: نمط المدير الرئيس ونمط المدير القائد. والفرق بينهما ليس في المنصب أو الصلاحيات فقط، بل في الرؤية وطريقة التعامل مع الطاقات البشرية داخل المؤسسة.

المدير الرئيس غالبًا ما يميل إلى مركزية القرار، فيعتمد على دائرة ضيقة من الأشخاص، ربما نائب أو موظف مقرّب أو شخص يثق به وحده. ومع مرور الوقت تتحول المؤسسة إلى فضاء مغلق تدور فيه الأفكار نفسها، بينما تُهمَّش طاقات أخرى كان يمكن أن تُبدع وتضيف. هذا النمط قد يخلق نوعًا من الاتكال داخل المؤسسة؛ حيث ينتظر الجميع توجيهات محددة بدل المبادرة، فتذبل روح الإبداع تدريجيًا. والأسوأ من ذلك أن الاعتماد على شخص واحد قد يقتل التنوع في الرؤى، فتضيق آفاق المؤسسة حتى تغيب رؤية المدير نفسه مع الزمن.

في المقابل، يظهر المدير القائد الذي يرى المؤسسة كجسد حي، لا يقوم بعضو واحد بل بتكامل أعضائه. هذا النمط يؤمن بأن الأفكار الجيدة قد تأتي من أي موقع داخل المؤسسة، من موظف بسيط أو أستاذ أو تقني. لذلك يفتح أبواب المشاورة، ويشجع النقاش، ويمنح الفرصة للجميع للتعبير والمساهمة. ومع ذلك، يحتفظ لنفسه بسلطة القرار النهائي، ليس انطلاقًا من سلطة فردية، بل من مسؤولية أخلاقية توازن بين الآراء المختلفة وتختار ما يخدم المصلحة العامة لا فئة بعينها.

إن التحول من الإدارة التقليدية إلى إدارة قائمة على المبادرة الحرة وتكافؤ الفرص يمر عبر عدة خطوات أساسية. أولها ترسيخ ثقافة المشاركة، بحيث يشعر كل فرد أن رأيه مسموع وأن جهده مقدّر. وثانيها بناء آليات واضحة لاتخاذ القرار تعتمد على التشاور وتبادل الخبرات. أما الخطوة الثالثة فهي تشجيع المبادرات الفردية والجماعية، لأن المؤسسات التي تمنح الثقة لأفرادها غالبًا ما تكتشف طاقات كامنة لم تكن ظاهرة من قبل.

وفي النهاية، لا تقوم المؤسسات الناجحة على شخص واحد مهما بلغت كفاءته، بل على قيادة ذكية تعرف كيف تُشرك الجميع دون أن تفقد بوصلة القرار. فالإدارة الحقيقية ليست فن السيطرة، بل فن تحرير الطاقات وتوجيهها نحو هدف مشترك. عندما يتحقق ذلك، تتحول المؤسسة من فضاء للاتكال إلى فضاء للمبادرة، ومن إدارة تقليدية جامدة إلى قيادة حية تصنع المستقبل.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. بالتوفيق الاستاذ ابراهيم، مقال مقتضب جامع لكل الافكار الأساسية الموضوع المختار ويميط اللثام عن التصور السائد عند العامة والخاصة حول العلاقة التربوية والاجتماعية بين “المدير القائد والمديرة الرئيس”، ويقدم ما يترتب عن كل نمط من النمطين من نتائج إيجابية وسلبية.

اترك رداً على عبدالرحيم جماح إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى