وجهات نظر

يوسف بودرهم يكتب : رهانات التحضر ومعايير التمدن.

تشهد مقاطعة اليوسفية بالرباط، وعلى وجه الخصوص حي التقدم، ورش ميدان متوسط في إطار المبادرة النبيلة الرامية إلى تهيئة الفضاءات الحضرية استعدادًا لاحتضان المملكة المغربية لنهائيات كأس إفريقيا للأمم، وفي سياق السياسة الإصلاحية التي تنهجها الدولة المغربية عبر مجالسها المنتخبة ومؤسساتها الترابية.

غير أن هذه الدينامية الإيجابية تثير في الآن ذاته نقاش حول معايير الجودة والسرعة في إنجاز الأشغال، ومدى التوفيق بين الطابع الاستعجالي للمشاريع ومتطلبات الديمومة والجمالية البيئية.

وهنا نطرح في هذه المرحلة تساؤلا جوهريا تفرضه المرحلة، حول حدود تدخل المنتخب المحلي، ومدى مشروعية حديثه عن جودة الأشغال داخل القنوات الرسمية أو عبر المنصات الإعلامية البديلة ؟؟

فالمنتخب، بحكم موقعه التمثيلي، مطالب بممارسة أدواره الرقابية والتتبعية في إطار القانون، دون المساس بمسؤوليات الأجهزة التقنية والإدارية المختصة.

وبالتالي، فالمراقبة البناءة من داخل المؤسسات تبقى أداة لترشيد النفقات وضمان النجاعة في الإنجاز، عوض الاقتصار على النقد الخارجي الذي قد يفقد قيمته التقييمية إذا لم يستند إلى معطيات دقيقة وواضحة.

أما من حيث معيار الإصلاح والتبليط، فإن توزيع المشاريع داخل الأحياء يجب أن يخضع لأولويات محددة سلفا في إطار العدالة المجالية، مع مراعاة البنية التحتية القائمة وحاجيات الساكنة مختلفة المشارب.

فالإصلاح لا يمكن أن يُقاس فقط بسرعة الأشغال، بل بجودتها وبقدرتها على الصمود أمام الزمن واستيعاب الضغط السكاني والحركي في الأحياء ذات الكثافة العالية مثل حي التقدم.

وهنا تبرز مسؤولية المقاولات المكلفة، والمكاتب التقنية للمقاطعة، في الالتزام بدفاتر التحملات ومواصفات الجودة الحضرية.

على الجانب البيئي، تعاني المجالات الخضراء في المقاطعة من تراجع ملحوظ بفعل تراكم الأتربة ومخلفات الورش، إضافة إلى قطع المياه عن بعض الغابات الصغيرة التي كانت تشكل متنفسًا طبيعيا للسكان.

إن هذه الوضعية تتطلب إعادة التفكير في مبدأ الإصلاح، بحيث لا نستهلك البيئة في سبيل التهيئة الطرقية أو البنية التحتية، بل تُدمج كجزء من التصور الحضري المستدام، بحيث نقول أم أي إصلاح لا يحافظ على الغطاء النباتي ولا يراعي التوازن البيئي يبقى ناقص مهما بلغت سرعته أو كلفته.

خلاصة القول، إن الرهان الحقيقي في مقاطعة اليوسفية بالرباط يتمثل في تحقيق معادلة دقيقة تجمع بين الجودة والسرعة، مع الحفاظ على البيئة، وهي معادلة لا يمكن بلوغها إلا من خلال تضافر جهود المثقفين والمنتخبين والمهندسين والمجتمع المدني، في إطار مقاربة تشاركية وتشاورية تضع المواطن في صميم المشروع التنموي، فبهذا التكامل يمكن إعادة الاعتبار للفضاءات الحضرية، عبر تبني تدبير عقلاني قائم على ذكاء المدن، وبذلك نكون حقيقة مساهمين في بناء ثقافة التحضر الإنساني والتمدن العمراني المستدام.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى