وزير العدل عبداللطيف وهبي في كلمته أمام المحامون و المحامون المتمرنون يقدم رؤيته لمستقبل مهنة المحاماة

حدث بريس : متابعة
في إطار النقاش العمومي الدائر حول واقع مهنة المحاماة وتحدياتها الراهنة، وما يشهده الحقل القانوني والقضائي من تحولات متسارعة بفعل التطور التقني وتبدّل الممارسات المهنية، تبرز الحاجة إلى الوقوف عند الآراء والمواقف التي تُسهم في تأطير هذا التحول وفهم آثاره. وفي هذا السياق، تأتي كلمة السيد عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، الموجهة أمام ثلة من المحامين والنقباء والمتمرنين، باعتبارها جزءًا من هذا الحوار المهني والمؤسساتي حول مستقبل العدالة ووضعية المهنة وتشعبات علاقتها بالتكنولوجيا والمجتمع.

وتكتسي هذه الكلمة أهميتها من طبيعة القضايا التي تُلامسها، ومن الأسئلة التي تثيرها حول موقع المحامي، ودور القاضي، وحدود التداخل بين الإنسان والآلة داخل منظومة العدالة، فضلًا عن قضايا أخلاقية ومهنية مرتبطة بممارسات العصر الرقمي وفضاءات التواصل الاجتماعي.
نضع هذا النص كما ورد، باعتباره مساهمة ضمن مسار التفكير الجماعي حول ما ينتظر المهنة من تحولات وما تفرضه المرحلة من مسؤوليات.
الدار البيضاء في 21 نونبر 2025
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
السيد رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب المحترم
السادة النقباء المحترمون
السيدات والسادة المحامون المحترمون
زملائي المحامون المتمرنون المحترمون
الحضور الكرام
في الحقيقة تجدني حائرا حول موضوع الخطاب الذي سأوجهه لكم زملائي المتمرنين، ماذا يمكن لمحام سابق أن يقول عن مهنة صنعته ورسمت مسار حياته، بل وضعته في موقع يؤثر بشكل ما في المسار القانوني للمهنة نفسها، مهنة خلقت سياسيين كبار وجعلتهم في قلب الممارسة السياسية، ورسمت حدود إدارة السلطة بخلق قواعد قانونية واجتهادات ومساهمات سياسية.

هذه المهنة التي ظلت في عمق ممارسة السلطة، كما كانت مناهظة لتجاوزاتها من أجل بناء دولة الحق والقانون والحريات، فالمحامي دائما ومن موقع السلطة شكل ذلك الصوت النشاز المتشبت بإعمال القانون ومن خلاله ضبط العلاقة بين المواطن وقيم العدالة والحق والقانون، إنه ثقل تاريخي كبير، له قدسية الوجود والقدرة على التأثير، وهذا ما يوضح المعاناة الأخلاقية والحقوقية والشقاء الفكري للمحامي حينما ينتقل من مصاف المهنة المتسم بالحرية والاستقلالية، إلى مصاف القرار السياسي المطبوع بالانضباط والسرية، تصطدم تطلعاته وطموحاته في كثير من الأحيان بإكراهات السياسة وتعقيداتها.
زملائي المحامون المتمرنون المحترمون
يوصف المحامون بأنهم فرسان الكلمة، ذلك لأن الكلمة سلاحهم، والفكرة وسيلتهم، فهم يسعون إلى صياغة الأحداث، يؤسسون لعلاقات بين الفعل والمؤازر، بين القاضي والماثل أمامه، بين القانون والفعل ذاته، يطرحون أحيانا على المجتمع أسئلة تبذو للجميع أنها معقدة وشاذة، تارة حول البراءة، وتارة أخرى حول تكييف المسؤولية، إنها وظيفة نقل الفكرة من الهلامية إلى الواقع.
ونحن شباب كنا ننغمس في ثنايا الاجتهاد القضائي، وفي الكتب والمراجع، نقتفي أثر اجتهادات الفقهاء وآراءهم في العدالة بكل نصوصها، ربما نساهم في خلق وجهة نظر تساير حماسنا ورؤيتنا لذلك العالم المثالي، حتى نفضي إلى حق هدر أو براءة لإدانة مشكوك فيها أو معتلة قانونا، نحمل العدالة بكل قوانينها ومساطرها لإنصاف الإنسان وحماية حقوقه، أما الآن، وقد تطورت الأشياء بشكل رهيب، أمست الآلة تتداخل مع وظيفة المحامي، كما أن الاكتشافات العلمية أضحت تحد من قدرته على التفسير وعلى التحليل، وفي كثير من الأحيان على التعليل، كأنها تسحب من يديه إدارة قضية أو ملف وفق ما يريده، و أصبحت هذه السلطة العلمية تلجم المحامي و تواجهه، فكيف سيقوم بوظيفته حينما يكون رهينة بين لغة المحاماة التي يعتبرها الجميع خطابا احتماليا بين الحقيقة والخطأ؟ وبين الوسائل العلمية في مجال الإثبات التي اكتسبت نوعا من القدسية القانونية؟ فالمتدخلين في العملية القانونية يعتبرون خطاب المحامي مسألة ظنية، واستعمال الوسائل العلمية حقيقة مطلقة، مما يطرح السؤال حول دور المحامي اليوم، هل يرفع صوته ليجهر بقناعاته كما تعودنا؟ أم يخفظه عندما يكون أمام نتائج الوسائل العلمية وصدقيتها كالبصمات والبحث الجيني وصور الكاميرات أو أمام آخر ما وصل إليه العلم وهو تحول الجسد كله إلى بصمة دقيقة عبر كاميرات متطورة؟ بحيث يكفي صورة لظهر المتهم لترسم خريطة الجسد كله؟ فأمام بصمة الصوت و لون العينين و حجم الأرجل كوسائل لإثبات أو نفي، كيف سنتعامل مع هذه الأشياء العلمية التي تقنع الآخرين وتتسرب إلى الإثبات المؤكد كالقدر الذي لا مرد له؟ يقول صديقي المحامي الأمريكي حول هذا الوضع “لقد اختزلوا وظيفتنا واجتهاداتنا في معطيات رياضية أو تقنيات آلية”، بل هناك من قال أنه على المحامي الصمت عندما تتكلم نتائج البحث العلمي حول مسرح الجريمة.
زملائي المحامون المتمرنون المحترمون
في زيارتي لعدد من الدول حدثني كثير من نساء ورجال العدالة عن مشروع محاكمة رقمية يديرها الذكاء الاصطناعي، وصدمت حينما تحدثوا عن القاضي الآلة، عن الكمبيوتر المحمل بالملفات والاجتهادات والنصوص التي تمكنه من تحليل القضية وإصدار الحكم فيها، ولا أخفيكم سرا أنني كنت الموقف الوحيد، بل اليتيم الذي رفضها، لأنني أؤمن بأن العدالة تكمن في الإنسان، في مرافعة المحامي، وفي إحساس القاضي أو ربما حتى في خطأه، ولايجب أن تغتال القناعة الصميمية للقاضي باسم التطور العلمي، لأنها ذلك الخيط الرفيع الذي يصنع العدالة، و إذا تم فصلها عن المجال الإنساني فستتحول إلى طغيان الآلة.
سخر الكثير من الحاضرين من وجهة نظري، قالوا أن جل الملفات متشابهة ستسهل عمل القاضي الآلة، وهل يوجد في الكون ملفين متشابهين؟ فلكل جريمة ظروفها وأطرافها التي تختلف مع نظيرتها نفسيا ومنطقيا وفي أدق مرحلة الجريمة و أثناء المطالبة بالحق. لذلك، كيف سيتم التعامل الآن حينما يقوم الذكاء الاصطناعي بكتابة المذكرات بعد تمكينه من كل المعطيات؟ كيف سنتعامل مع أوامر الإحالة عندما يفوض القاضي المعطيات إلى وسائل إلكترونية مثل تطبيق “شاط جيبيطي” ليصدر قرارا، أو في بعض الأحيان ليصدر حكما قضائيا في الموضوع؟ بل إننا مقبلون على مرحلة سيختزل فيها عالم المحاماة داخل الكمبيوتر، وداخل الوسائل العلمية الحديثة، ستجعل القضايا تخترق الحدود واللغات والمعنى، سنكتشف أننا نناقش نزاعا مدنيا أو تجاريا موضوعه في بلد وتنطبق عليه قواعد ضريبية في بلد آخر، ونصوص جمركية لبلد ثالث، ووسائل إثبات في بلد رابع؛ أو أمام جريمة تبتدأ بقريتك وتنتهي في قرية دولة أخرى بأصقاع العالم، ستضيعون في تعقد الجغرافيا وتقاطع القوانين، ستجلس في مكتبك لتطوف داخل قوانين العالم بلغات مختلفة، وعليك أن تكون مستعدا، فماذا هيئنا لهذه الكومة من التعقيدات؟زملائي المتمرنين الأعزاء
إن من أكبر مايهدد المحاماة كذلك هي التي نسميها كذبا وبهتانا بوسائل التواصل الاجتماعي، وفي الحقيقة هي مجرد وسيلة للتباغض الاجتماعي، والغريب في الأمر أننا بدأنا نكتشف أن المحاكمات أضحت تخرج من قاعة المحكمة إلى ساحة التواصل الاجتماعي الموبوء، بل أصبحت حرمة المتقاضين مستباحة، يتحدث المحامون بدون تحفظ عن الجرائم المنسوبة لموكليهم، وعن متابعاتهم، حتى أصبحت العلنية نوعا من الاستباحة والافتضاح الذي يغتال العدالة كلها، فالموضوع يتسم بكثير من الانحراف عندما تتم مناقشة القضايا في هذه الشاشات المهينة، فيتحول معه المحامي الجيد إلى صحفي رديء مخالفا جميع الأخلاق وقوانين احترام موكليه وقضاياهم وحياتهم الحميمية، ربما معتقدا أنه نوع من الاستثمار لدوره أولشخصه، في حين هي تصرفات تثير اشمئزاز المشاهدين، فبأي حق يخرج المحامي من شاشة هواتف الغير ليعدد جرائم موكله وكأنها مرافعات افتضاحية؟ أو ربما رغبة في التأثير على القضاء؟ أعتقد أن المحامي الذي يحترم نفسه هو المحامي الذي يترافع في الجلسة مبتعدا عن هذه الوسائل التي تشهر بموكله وبحياته الخاصة، وفي كثير من الأحيان تسيء للعدالة نفسها.
وأخيرا يبدو أن العدوى انتقلت إلى جهاز القضاء، حيث يصور البعض جلسات بين القضاة والمتقاضين، وآخرون يعرضون ويقدمون أنفسهم بعيدا عن واجب التحفظ المفروض في القضاء، وسينعكس ذلك بشكل سلبي على الجهاز القضائي، ليس فقط من خلال استعمال صورهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي بشكل مهين، بل سيكونون ضحية ذلك كما هم ضحيته السياسيين اليوم، بل لكون القاضي سيصبح شخصية عامة مستباحة وقابلة للتجرأ عليها، وستفقد كثير من الهيبة والسلطة الأخلاقية التي يتمتع بها، علما أن الجهل بالقاضي جزء من سلطة القاضي وهيبته، كما أن رفع الحجاب عن القضاء سيستبيح حرمته ويجعل صورته وسيلة قابلة للتصرف السيئ من محترفي وسائل التباغض الاجتماعي. وللتذكير فقد حاولنا استباق هذا الوضع، ونصينا في قانون المسطرة الجنائية المصادق عليه مؤخرا على مقتضى تعيين ناطق رسمي باسم النيابة العامة، كي نحفظ للقضاة هيبتهم واحترامهم، ونجعل خطابهم يتسم بالمسؤولية والحياد، إنه لنا احترام وتقدير لزملائنا القضاة ونخاف عليهم لأن هيبتنا من هيبتهم واحترام الناس لنا من احترامهم فالقاضي لا يختلط مع العوام خاصة إذا كانت في خضم وسائل التباغض الاجتماعي لما لها من انعكاسات سلبية على الصورة والمكانة.
زملائي الأعزاء
لا أريد أن أكون متشائما، أعرف أن لديكم مطالب، كما لديكم إلحاحات على شخصي، أحاول أن أكون محاميكم داخل جهاز عنيد ومعقد اسمه الدولة، ولكن أوجدوا لي عذرا إذا لم أحقق جميع مطالبكم، لأن حقوقكم العادلة يفرضها دوركم النبيل في الدفاع عن الحرية وعن شروط المحاكمة العادلة وعن دولة الحق والقانون، لقد كانت لي فرصة مناقشة مكتب جمعيتكم الموقر ورئيسه المحترم ونقبائه وأساتذته الأجلاء، خلال جلسات حوار مطولة حول قانون المهنة، وانتقلنا بهذا القانون إلى دهاليز السلطة والإدارة، ويمكننا أن نهنئ أنفسنا على التوافقات التي تمت حوله مع الجمعية ومع الجهاز الحكومي، كما يشرفني أن أعلن لكم أنه بعد اتفاقي مع السيد رئيس الجمعية سيتم عقد اجتماع حول قانون المهنة وكذلك باتفاق بيني وبين الجهات الحكومية تقرر إدراجه للمصادقة في اجتماع لمجلس الحكومة منتصف دجنبر المقبل، ومن تم إحالته على البرلمان، واقترحت على لجنة العدل والتشريع بكلا المجلسين عقد أيام دراسية حوله تحضره الجمعية بكل نقبائها وأساتذتها الأجلاء، وكذلك لقاءهم برؤساء الفرق وأعضاء البرلمان حتى نساهم جميعا في وضع قانون متوافق حوله.
زملائي المتمرنين الأعزاء.
آه كم كنت أتمنى أن أبقى محاميا متمرنا، أتعلم من الكثيرين، وتكون لي القدرة على الاستماع للجميع، يكبر الإنسان فيصبح عنيدا، أو يتوهم أنه مدرك لكل شيء، والحقيقة أن القانون علم لامتناهي، كل يوم تكتشف شيئ آخر، وتكتشف ماهو أهم، وهو أنك وبالتأكيد جاهل بأمور كثيرة، أو ربما كل ما عشته وعرفته خلق لدي قناعة مطلقة وهي: أن المحامي يبقى متمرنا إلى أن يلقي ربه.
والسلام وعليكم ورحمة الله وبركاته.



