سياسة

محمد أوزين يضع الجبل والمواطن في قلب النقاش السياسي: من “جا الوقت” إلى التعاقد الحركي

بقلم: مصطفى صغيري
دكتور في القانون العام والعلوم السياسية

 

في السياسة، ليست كل المسافات جغرافية، هناك مسافات تقاس بالكيلومترات، وأخرى تقاس بما يفصل المواطن عن القرار، وما يفصل المجال عن مركز صناعة السياسات العمومية، وما يفصل الخطاب الحزبي عن الحياة اليومية للناس. لذلك، لا تقاس أهمية أي دينامية ميدانية بعدد المدن والقرى التي تصل إليها فقط، بل بقدرتها على تقليص هذه المسافات غير المرئية، وعلى تحويل الحضور في المجال إلى إنصات، والإنصات إلى معرفة، والمعرفة إلى التزام سياسي قابل للمساءلة.
من هذه الزاوية، تستحق الدينامية الميدانية التي يقودها الأمين العام لحزب الحركة الشعبية محمد أوزين، في إطار مبادرة “جا الوقت”، قراءة تتجاوز منطق التغطية الظرفية، فمن مديونة وسيدي بنور والصويرة إلى فاس ومراكش، ومن تلوات إلى أمسمرير بإقليم تنغير، وصولاً إلى أرفود ومغرب الواحات، وفي انتظار محطات أخرى تواصل من خلالها القافلة مسارها الميداني، تتشكل دينامية سياسية لا تختزل في كثافة التنقل أو حجم الحضور، بقدر ما تعكس اختياراً يقوم على ربط المجال بالإنصات، والإنصات بالالتزام، والالتزام بفكرة التعاقد الحركي مع المواطن.
ولا يتعلق الأمر باكتشاف متأخر لفضيلة القرب، ولا بعودة موسمية إلى الميدان. فالحركة الشعبية لم تنتظر مناسبة انتخابية لكي تكتشف القرية والجبل والواحة والمناطق البعيدة عن المركز. هذه المجالات جزء من تاريخها وهويتها السياسية والاجتماعية، وحاضرة في خطابها وممارستها التنظيمية، وحتى خلال السنوات الأخيرة، اختارت الحركة أن تنقل مؤسساتها الحزبية إلى جهات مختلفة من المملكة، من الداخلة إلى الحسيمة وخنيفرة، بما يؤكد أن المجال لم يكن في يوم من الأيام مجرد محطة عابرة في تصورها للعمل السياسي.
الجديد، في تقديري، هو محاولة تحويل هذا القرب إلى مادة للتعاقد السياسي، وإعطاء الرصيد التاريخي للحركة لغة سياسية تستجيب لتحولات المغرب وأسئلة مغاربة اليوم.
أوزين لا يتحدث عن الجبل باعتباره ملفا… بل باعتباره أصلا
في مداخلاته عبر عدد من المحطات، يعود محمد أوزين باستمرار إلى أصوله الأطلسية وانتمائه إلى الجبل، وإلى تجربة ابن الهامش الذي حملته الدراسة والحياة إلى فضاءات أخرى، ثم إلى مواقع المسؤولية، دون أن يعتبر ذلك قطيعة مع المكان الذي انطلق منه. وهذه الإحالة المتكررة إلى الجذور ليست مجرد استدعاء عاطفي للسيرة الشخصية، بل تحمل معنى سياسيا واضحا: الوصول إلى المركز لا ينبغي أن يكون طريقا لنسيان الهامش، بل موقعا للدفاع عنه؛ والنجاح الفردي لا تكتمل قيمته إذا لم يتحول إلى قدرة على خدمة المجال الذي جاءت منه البدايات.
بهذا المعنى، لا يتحدث أوزين عن الجبل كما يتحدث مسؤول عن بند داخل برنامج، وإنما يتحدث عنه باعتباره ذاكرة وانتماء وتجربة اجتماعية، وهنا يلتقي المسار الشخصي بالهوية التاريخية للحركة الشعبية نفسها.
فالحركة التي حملت تاريخيا قضايا العالم القروي والجبل والأمازيغية والمجالات البعيدة عن المركز، لا تحتاج اليوم إلى إثبات ارتباطها بهذه المجالات؛ فهذا جزء من رصيدها وهويتها، والتحدي الحقيقي هو تحديث معنى هذا الارتباط وربطه بتحولات المجتمع والدولة والاقتصاد.
فالجبل في مغرب اليوم ليس فقط طريقا ينبغي فتحها لفك العزلة؛ إنه مدرسة ومستشفى ونقلا وربطا رقميا وماء واستثمارا وفرص شغل وقدرة على مواجهة آثار التغيرات المناخية. والقرية ليست مجالا ينتظر الدعم؛ إنها فضاء للإنتاج والاستثمار وخلق الثروة. والواحة ليست مجرد ذاكرة وتراث؛ إنها منظومة بشرية واقتصادية وبيئية ينبغي ضمان استدامتها. بل إن الهامش نفسه لم يعد مفهوما جغرافيا فقط، فقد يوجد مواطن على بعد كيلومترات قليلة من مركز مدينة كبرى، ومع ذلك يعيش على هامش الخدمات والفرص والتنمية.
مغرب واحد… ومجالات تستحق الإنصاف
مديونة ليست سيدي بنور، والصويرة ليست فاس، ومراكش ليست تلوات، وتلوات ليست أمسمرير، والأطلس ليس الواحات، لكل مجال بنيته الاقتصادية والاجتماعية والجغرافية، ولكل واحد منها ترتيب مختلف للحاجات والأولويات، لكن المواطن في كل هذه المجالات يحمل الصفة نفسها: مواطن مغربي كامل المواطنة.
وهذا هو جوهر العدالة المجالية، فالإنصاف لا يعني أن نعطي الجميع الشيء نفسه، وإنما أن نوفر للجميع شروطا متكافئة لممارسة الحقوق والاستفادة من الفرص، وقد يقتضي تحقيق المساواة سياسات مختلفة بحسب اختلاف المجالات؛ لأن تطبيق الحل نفسه على أوضاع غير متساوية قد يعيد إنتاج التفاوت بدل تقليصه.
فالمغرب واحد، لكن وحدته لا تعني تماثل مجالاته أو تطابق حاجاتها، إنها تعني، قبل كل شيء، ألا تختلف قيمة المواطنة باختلاف الجغرافيا؛ وألا يصبح مكان الميلاد محددا لجودة المدرسة، أو قرب المستشفى، أو توفر النقل، أو فرص الشغل، أو القدرة على صناعة المستقبل.
فالطفل في الجبل لا ينبغي أن يدفع ثمن المسافة من حقه في التعليم، والمرأة في الواحة لا ينبغي أن تدفع ثمن الجغرافيا من حقها في الصحة، والشاب في القرية لا ينبغي أن تصبح الهجرة نحو المدينة شرطا إجباريا أمامه لكي يحلم بمستقبل أفضل.
الوحدة الوطنية لا تلغي اختلاف المجالات؛ بل تجعل إنصافها مسؤولية وطنية، وتجعل تقليص الفوارق بينها شرطا من شروط المساواة الفعلية بين المواطنين.
عندما ينتقل الميكروفون إلى المواطن
لكن أكثر ما يستحق التوقف عنده في هذه الدينامية ليس فقط أين ذهب محمد أوزين، وإنما ما حدث داخل اللقاءات نفسها، ففي مختلف المحطات، ومنها مراكش وفاس وغيرها، أُعطي الحاضرون الكلمة للتعبير مباشرة عن مشكلاتهم وانتظاراتهم، وهي ممارسة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل دلالة سياسية مهمة. فهناك فرق بين سياسي يذهب إلى المواطنين لكي يتحدث إليهم، وسياسي يتوقف عن الكلام لكي يسمعهم.
وفي فاس، مثلا، أعطى أوزين الكلمة بصورة عفوية لمواطنين من القاعة؛ فتحدث أحدهما عن معاناة منطقته مع غياب شبكة التطهير السائل، بينما تحدث آخر عن حي يضم، بحسب شهادته، حوالي 450 شخصاً يشعر سكانه بأن التنمية تجاوزتهم.
وقد يبدو الحديث عن التطهير السائل أقل جاذبية من الحديث عن النمو والاستثمار والمؤشرات الاقتصادية الكبرى، لكنه بالنسبة إلى المواطن المعني هو السياسة في صورتها الأكثر واقعية، فشبكة التطهير ليست مجرد أنبوب؛ إنها صحة وكرامة وجودة حياة وعدالة في توزيع الخدمة العمومية. والحي المنسي ليس رقما في خريطة؛ إنه مواطنون يطرحون سؤالا بسيطا وعميقا في الوقت نفسه: لماذا وصلت التنمية إلى هناك ولم تصل إلينا؟
وفاس ليست استثناء في هذا المسار، فقد أُعطيت الكلمة للحاضرين في محطات أخرى أيضا، ومنها مراكش، بما يجعل الإنصات جزءا من طريقة التواصل التي رافقت هذه الدينامية، وليس واقعة معزولة.
وهنا يتحول المواطن من جمهور للخطاب إلى طرف في النقاش السياسي.
من جمهور السياسة إلى شريك فيها
في علم السياسة، تؤدي الأحزاب وظيفة لا تستطيع الديمقراطية الاستغناء عنها : الوساطة، فهي لا تنقل خطاب المؤسسات إلى المجتمع فقط، بل يفترض فيها أيضا أن تحمل مطالب المجتمع إلى المؤسسات، وأن تجمع المصالح المختلفة وترتبها وتحولها إلى برامج واختيارات وسياسات قابلة للتنفيذ.
وحين تختل هذه الوظيفة، لا تختفي مطالب الناس؛ الذي يختفي هو الطريق المؤسساتي الذي تمر عبره، ومن هنا تبدأ أزمة الثقة، ولذلك، فإن إحدى أقوى القراءات الممكنة لمبادرة “جا الوقت” ليست فقط أن يسمع المواطن ما تقوله الحركة الشعبية، وإنما أيضا أن تسمع الحركة الشعبية ما يقوله المواطن.
والفرق بين الأمرين هو الفرق بين التواصل والسياسة، فالتواصل يبحث عن جمهور، أما السياسة فتحتاج إلى مواطن، والجمهور قد يحضر ويستمع ويغادر، أما المواطن فيسأل ويقترح ويناقش ويحاسب.
وهنا بالضبط تلتقي “جا الوقت” بفكرة التعاقد الحركي.
التعاقد الحركي ليس اسما جديدا للبرنامج
إذا كان التعاقد الحركي مجرد تسمية جديدة لبرنامج حزبي تقليدي، فلن نكون قد غيرنا سوى المفردات، أما إذا أخذنا مفهوم التعاقد بمعناه السياسي الحقيقي، فنحن أمام تصور أكثر عمقا للعلاقة بين الحزب والمواطن، لأن العقد، بطبيعته، يفترض طرفين.
لا يوجد تعاقد مع مواطن لا يُسمع صوته، ولا تعاقد حقيقي إذا كان أحد الطرفين يحدد وحده الشروط والالتزامات ثم يطلب من الطرف الآخر القبول بها.
ومن هنا فإن اختيار مفهوم “التعاقد الحركي” يرفع سقف المسؤولية السياسية على الحركة الشعبية نفسها.
فالبرنامج يمكن أن يكون لائحة اقتراحات، أما التعاقد فيعني التزاما، والوعد يستطيع أن يعيش في الخطاب، أما الالتزام فيحتاج إلى تنزيل. والتعاقد لا تنتهي قيمته عند لحظة الاختيار؛ بل هناك يبدأ امتحانه الحقيقي.
فالمواطن الذي نتعاقد معه اليوم ينبغي أن يمتلك غدا الحق السياسي والأخلاقي في السؤال: ماذا تحقق؟ ماذا تعذر؟ ولماذا؟ وبأي موارد؟ وبأي نتائج؟
هذه الأسئلة ليست عبئا على الحزب؛ إنها ما يعطي للتعاقد معناه.
فأزمة الثقة في السياسة لا تعالج بوعد أكبر من الوعود السابقة، وإنما بعلاقة أكثر صدقا بين ما نقوله وما نستطيع فعله، وبين ما نلتزم به وما يمكن للمواطن أن يقيس أثره في حياته.
التعاقد الحركي يُكتب أيضا بصوت المواطن
وهنا تكمن إحدى أهم فرص “جا الوقت”: أن تحمل الحركة مشروعها إلى المواطن، وأن تعود من المجال بأسئلة المواطن أيضا، فالتعاقد الحركي لا ينبغي أن يكون وثيقة تتحدث إلى المغاربة من اتجاه واحد، بل مشروعا سياسيا يتفاعل معهم.
ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن كل مطلب فردي يتحول إلى إجراء أو سياسة، فصناعة السياسات العمومية تقتضي الاختيار والترتيب والمفاضلة في ظل موارد محدودة، لكن الحزب الذي يستمع يعرف أكثر، والذي يعرف أكثر يختار أفضل، والذي يشرح اختياراته يبني علاقة أكثر نضجا مع المواطن.
ومن هنا فإن أصوات المواطنين التي تُسمع في فاس ومراكش وتلوات وأمسمرير وسيدي بنور والصويرة ومديونة وغيرها ليست حواشي على القافلة؛ إنها جزء من المادة السياسية التي ينبغي أن يتغذى منها المشروع الحركي. وهكذا لا يعود المجال مجرد مكان لعقد اللقاء، بل يصبح مصدرا للمعرفة السياسية.
وهنا أيضا تكمن إحدى أهم نقاط قوة هذه الدينامية: الانتقال من سؤال : ماذا سنقول للمواطن؟ إلى سؤال لا يقل أهمية: ماذا قال لنا المواطن؟
أوزين: من ذاكرة الجبل إلى مسؤولية القرار
من السهل على القيادة السياسية أن تبحث عن التميز عبر إعلان القطيعة مع الماضي، والأصعب أن تبني الجديد من داخل تاريخ المؤسسة، فتحفظ ما يمنحها هويتها، وتعيد قراءته بما يستجيب لتحولات المجتمع، وهنا تبرز إحدى سمات المرحلة التي يقودها محمد أوزين.
فالرجل لا يحتاج إلى اختراع هوية جديدة للحركة الشعبية؛ الحزب يمتلك تاريخا ورصيدا اجتماعيا وسياسيا، والتحدي الحقيقي هو: كيف نجعل هذه الهوية قادرة على الإجابة عن أسئلة المغرب اليوم وغدا؟
كيف يتحول الدفاع التاريخي عن الجبل إلى سياسة للعدالة المجالية؟ وكيف يصبح الدفاع عن العالم القروي تصورا للاقتصاد والنقل والصحة والتعليم والاستثمار؟ وكيف يتحول القرب من المواطنين إلى آلية لصناعة القرار الحزبي؟ وكيف يصبح التاريخ الحركي رصيدا لبناء المستقبل، لا مجرد ذاكرة للاحتفاء؟
من هنا يمكن قراءة “جا الوقت” والتعاقد الحركي والدينامية الميدانية باعتبارها عناصر في محاولة واحدة: تحديث الهوية الحركية دون اقتلاعها من جذورها.
وهنا يصبح لمسار أوزين الشخصي معنى سياسيا يتجاوز صاحبه.
فهو لا يتحدث عن الهامش بلسان من اكتشفه، وإنما بذاكرة من جاء منه، ولا ينظر إلى الجبل باعتباره مجالا ينبغي تذكره بين الحين والآخر، بل باعتباره جزءا من المغرب يجب أن يكون حاضرا في قلب القرار. فالنجاح ليس أن يصل ابن الجبل وحده إلى المركز، بل أن تصل حقوق الجبل إلى المركز؛ وليس أن يصل ابن القرية إلى القرار، بل أن تصل القرية إلى القرار.
لقد قطع أوزين في مساره الشخصي المسافة من الجبل إلى فضاءات المسؤولية؛ أما الرهان السياسي الذي يدافع عنه اليوم، فهو أن تقطع التنمية والحقوق والفرص المسافة في الاتجاه الآخر: من مركز القرار إلى الجبل والقرية والواحة.
التعاقد داخل الثوابت التي تجمعنا
ولأن أي تعاقد سياسي مسؤول لا يبدأ من فراغ، فإن الحركة الشعبية تتحرك من داخل الثوابت الجامعة للأمة ومقدسات المملكة، وفي إطار الدستور، والدين الإسلامي السمح، والنظام الملكي الدستوري الديمقراطي البرلماني والاجتماعي، والوحدة الوطنية والترابية، والاختيار الديمقراطي، مع التشبث بالمصالح العليا للوطن وبالمؤسسات الدستورية للمملكة.
وهذه ليست موضوعا للمزايدة أو التنافس الحزبي؛ إنها الأرضية الوطنية المشتركة التي يجري فوقها الاختلاف الديمقراطي.
أما التنافس الحقيقي، فينبغي أن يكون حول من يملك التصور الأكثر قدرة على خدمة المواطن، وحماية قدرته الشرائية، وخلق فرص الشغل، وإصلاح المدرسة، وتقريب الصحة، وإنصاف الجبل والقرية والواحة، وتحويل المال العام من أرقام في الميزانيات إلى أثر يراه المواطن في حياته.
هناك ينبغي أن يحتدم النقاش الديمقراطي، وهناك ينبغي أن يكون المواطن هو الحكم.
المسافة التي تستحق أن تُقطع
والقافلة لم تصل بعد إلى محطتها الأخيرة، فما شهدته مديونة وسيدي بنور والصويرة وفاس ومراكش وتلوات وأمسمرير وأرفود وغيرها ليس حصيلة نهائية لمسار انتهى، بل محطات ضمن دينامية ميدانية متواصلة ستقود محمد أوزين والحركة الشعبية إلى مجالات أخرى، وإلى مواطنين آخرين، وإلى أسئلة وانتظارات جديدة.
ولذلك، فإن أهمية ما يجري لا تكمن فقط في ما تحقق من تواصل إلى حدود اليوم، وإنما في استمرار الاختيار نفسه: الذهاب إلى المواطن، وإعطاؤه الكلمة، والإنصات إلى اختلاف حاجات المجالات، وربط ذلك كله بفلسفة التعاقد الحركي.
ومع كل محطة جديدة، لا تتسع فقط خريطة القافلة، بل تتسع معها خريطة الأسئلة التي تضعها الحركة الشعبية أمام نفسها: ماذا يريد المواطن؟ ماذا يحتاج المجال؟ وأي التزامات قادرة على تحويل هذه الانتظارات إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ والمساءلة؟
لقد كان للحركة الشعبية دائما حضور في الجبل والقرية والمجالات البعيدة عن المركز، أما التحدي الذي تطرحه “جا الوقت” اليوم فهو الانتقال من الوصول إلى المواطن إلى إيصال المواطن: إيصال صوته، وحاجاته، واختلاف مجاله، وحقه في أن يرى أثر السياسة في حياته.
وهنا تتحول صورة أوزين وهو يتحدث من عمق الأطلس عن أصوله إلى أكثر من تفصيل شخصي، إنها تحمل رسالة تتجاوز صاحبها: أن الوصول إلى المسؤولية لا ينبغي أن يكون قطيعة مع المكان الذي جاءت منه البدايات، وأن أجمل وفاء للأصل ليس الحديث عنه بحنين، بل استعمال ما وصل إليه الإنسان لكي يجعل الطريق أسهل لمن يأتي بعده.
ولذلك، فالمطلوب ليس أن ينجح أبناء الهامش فقط في مغادرته، بل أن ننجح في إلغاء الهامش من خريطة الحقوق والفرص والكرامة.
ذلك هو المغرب الذي ينبغي أن يكون في قلب أي تعاقد سياسي جدي: مغرب لا تكون فيه الجغرافيا قدرا اجتماعيا، ولا يضطر فيه ابن الجبل إلى مغادرة جبله لكي يحصل على حقه في المستقبل، ولا يصبح فيه البعد عن المركز بعدا عن الدولة والتنمية؛ مغرب تتعدد مجالاته، لكن تتساوى فيه قيمة المواطن وحقه في الفرصة والكرامة.
وهنا أيضا تتضح قيمة التعاقد الحركي، فالتعاقد ليس أن نقول للمواطن: ثق بنا، بل أن نقول له: هذا ما نلتزم به أمامك، وهذا ما يحق لك أن تحاسبنا عليه.
ومن هنا تبدأ الثقة الحقيقية: من الإنصات قبل الكلام، ومن الالتزام بدل المبالغة في الوعد، ومن الاعتراف بأن المواطن ليس جمهورا للسياسة، بل صاحب حق فيها.
لقد أعطى محمد أوزين الكلمة للمواطنين في مختلف المحطات، ولم يكن ذلك مجرد تفصيل في تدبير اللقاءات، بل كان تعبيرا عمليا عن الفلسفة التي تحملها “جا الوقت” : أن السياسة لا تُبنى فقط بما يقوله الحزب للمواطن، وإنما أيضا بما يقوله المواطن للحزب.
ومن هنا، تكون هذه الدينامية قد أعادت إلى الواجهة واحدا من المعاني التي تحتاجها الممارسة السياسية اليوم: أن نستعيد المواطن، لا باعتباره صوتا نحتاج إليه، بل باعتباره صوتا نحتاج إلى سماعه؛ لا باعتباره متلقيا للعرض السياسي، بل شريكا في تحديد الأولويات وصناعة التعاقد.
ولذلك، فالمسافة الأهم التي يقطعها محمد أوزين اليوم ليست فقط بين مدينة وأخرى، ولا بين السهل والجبل والواحة؛ إنها المسافة التي يعمل على تقليصها بين الهامش والقرار، وبين المواطن والسياسة، وبين الإنصات والالتزام.
وهنا بالضبط يكتسب التعاقد الحركي معناه السياسي، فمن يسمع المواطن يستطيع أن يفهم انتظاراته، ومن يفهمها يستطيع أن يحولها إلى أولويات، ومن يعلن التزامه بها في إطار تعاقد سياسي يقبل، بالضرورة، أن يكون موضع مساءلة عن مدى الوفاء بها.
وهذه هي، في النهاية، إحدى الرسائل السياسية القوية التي كرستها “جا الوقت”: أن صوت المواطن ليس كلمة عابرة تُسمع في قاعة ثم تنتهي بانتهاء اللقاء، بل مدخل إلى القرار؛ وأن الجبل والقرية والواحة ليست محطات على خريطة التنقل السياسي، بل مجالات يجب أن تكون حاضرة في قلب صناعة السياسات العمومية.
لقد قطع أبناء الجبل، ومن بينهم محمد أوزين، الطريق من الهامش إلى فضاءات الدراسة والمسؤولية والقرار؛ واليوم يحمل التعاقد الحركي المعنى السياسي للطريق في الاتجاه الآخر: أن تصل التنمية والحقوق والفرص من قلب القرار إلى الجبل والقرية والواحة، وأن يصل المواطن، أينما كان، بصوته وانتظاراته وحقه في الإنصاف، إلى قلب السياسة.
هكذا يصبح “جا الوقت” أكثر من عنوان لدينامية تواصلية؛ يصبح تعبيرا عن اختيار سياسي واضح: أن تكون السياسة أقرب إلى المواطن، وأن يكون المواطن أقرب إلى القرار، وأن تتحول الثقة من مطلب نطلبه من الناس إلى تعاقد نبنيه معهم ونقبل أن نُحاسب عليه أمامهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى