توحّد الأسعار وغياب البوصلة: إلى أين تقود الحكومة سفينة المحروقات؟

بقلم ابراهيم بيه
الزيادة الأخيرة في أسعار المحروقات لم تكن مجرد رقم جديد على لوحة محطة الوقود، بل رسالة ثقيلة تحمل الكثير من الأسئلة والقلق. الصورة تُظهر بوضوح أن البنزين والديزل أصبحا بنفس السعر تقريبًا، وهو معطى غير عادي اقتصاديًا، ويفتح الباب لنقاش عميق حول مستقبل القدرة الشرائية، ومآل السياسات الطاقية، وحدود الرقابة.
صدمة الرقم… حين يفقد السوق منطقه
عندما يصل ثمن البنزين والديزل إلى نفس المستوى تقريبًا في أغلب محطات الوقود، فذلك مؤشر على خلل في آليات التسعير أكثر مما هو انعكاس طبيعي للسوق الدولية.
تقليديًا، يختلف سعر المادتين بسبب اختلاف تكلفة التكرير والطلب العالمي والبنية الضريبية. أما التساوي شبه التام فهو إشارة إلى أن منطق السوق لم يعد وحده من يحدد الأسعار، بل هناك خلل في منظومة الضبط والتوازن.
ضغط متصاعد على القدرة الشرائية
الخطورة الحقيقية لهذه الزيادات لا تقف عند أصحاب السيارات فقط، بل تمتد إلى كل مواطن.
فالديزل هو عصب النقل والشحن والفلاحة والإنتاج، وأي زيادة فيه تعني بشكل مباشر:
ارتفاع أسعار المواد الغذائية
زيادة تكاليف النقل العمومي والخاص
تضخم يضرب كل القطاعات دون استثناء
بمعنى آخر: كل درهم إضافي في المحروقات يتحول إلى سلسلة زيادات تمس الحياة اليومية للمواطن.
إلى أين تريد الحكومة أن تصل؟
السؤال الذي يطرحه الشارع اليوم: ما سقف هذه الزيادات؟
في غياب توضيحات قوية من طرف المسؤولين بالحكومة ، يشعر المواطن أن الأسعار تتحرك في اتجاه واحد فقط: الصعود.
وهنا يظهر الإشكال الأكبر:
هل الهدف هو تحرير الأسعار فعلاً؟
أم أن السوق تُرك دون آليات حماية تضمن التوازن والعدالة؟
تحرير الأسعار لا يعني إطلاقها بلا ضوابط. في كل الدول التي حررت قطاع المحروقات، وُضعت آليات رقابية صارمة لحماية المنافسة ومنع الاحتكار وضبط هوامش الربح.
غياب التوازن… أين دور الرقابة؟
هذا الوضع يسلط الضوء على سؤال جوهري: أين هي الحكامة؟
المؤسسات الرقابية، وعلى رأسها مجلس المنافسة، يُفترض أن تكون صمام الأمان الذي يضمن:
شفافية التسعير
منع التفاهمات الضمنية بين الفاعلين
حماية المستهلك من تضخم غير مبرر
لكن استمرار الارتفاعات المتقاربة بين الشركات يخلق انطباعًا عامًا بأن المنافسة الحقيقية ضعيفة، وأن السوق شبه موحد في اتجاه الأسعار.
أخطر ما في الأمر: فقدان الثقة
الأزمة ليست فقط اقتصادية… بل نفسية واجتماعية أيضًا.
حين يشعر المواطن أن الأسعار ترتفع باستمرار دون تفسير واضح أو أفق محدد، تتآكل الثقة في السياسات العمومية.
والثقة هي رأس المال الحقيقي لأي إصلاح اقتصادي.
الخلاصة
تساوي سعر البنزين والديزل ليس تفصيلًا عابرًا، بل مؤشر قوي على اختلال التوازن بين التحرير والرقابة.
وإذا استمرت الزيادات دون رؤية واضحة أو إجراءات تصحيحية، فإن الكلفة لن تكون اقتصادية فقط، بل اجتماعية وثقافية أيضًا.
السؤال الذي يبقى مفتوحًا:
هل ستتدخل الحكامة لإعادة التوازن… أم سنستيقظ على زيادة جديدة قريبًا؟
الإجابة رهينة بمدى جرأة الدولة في استعادة دورها التحكيمي، وإرادتها الحقيقية في فرض رقابة فعّالة تعيد التوازن بين منطق السوق وحق المواطن في العيش الكريم.



