النقابة والانتخابات التشريعية: هل آن الأوان لانتقال العمل النقابي من الاحتجاج إلى صناعة الأغلبية الاجتماعية؟

لم تعد الانتخابات التشريعية مجرد منافسة بين الأحزاب السياسية على مقاعد البرلمان، بل أصبحت محطة حاسمة تحدد ملامح السياسات الاقتصادية والاجتماعية لسنوات طويلة. لذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت النقابة معنية بالانتخابات، وإنما كيف ينبغي لها أن تتفاعل معها دون أن تفقد استقلاليتها أو تتحول إلى ملحق انتخابي لأي حزب سياسي.
لقد أثبتت التجارب، داخل المغرب وخارجه، أن قوة النقابات لا تقاس فقط بعدد المنخرطين أو بحجم الاحتجاجات التي تنظمها، وإنما بقدرتها على التأثير في التشريع وصناعة القرار العمومي. فالقوانين التي تنظم سوق الشغل، والتقاعد، والحماية الاجتماعية، والضرائب، والأجور، والحوار الاجتماعي، لا تُصاغ في مقرات النقابات، بل داخل البرلمان والمؤسسات الدستورية. ومن هنا يصبح الاهتمام بالانتخابات التشريعية جزءاً من الرؤية الاستراتيجية لأي تنظيم نقابي مسؤول.
غير أن هذا الاهتمام لا يعني الاصطفاف الأعمى خلف هذا الحزب أو ذاك، لأن التجارب التي اختزلت العمل النقابي في الولاء السياسي غالباً ما انتهت إلى إضعاف النقابة وفقدانها ثقة الشغيلة. فالعامل أو الموظف لا ينخرط في نقابته ليصبح رقماً في حملة انتخابية، وإنما ليدافع عن أجره، وكرامته، واستقراره المهني، وحقه في الحماية الاجتماعية، وتحسين ظروف العمل.
إن التحدي الحقيقي أمام النقابات المغربية اليوم يتمثل في تجاوز ثقافة رد الفعل إلى ثقافة صناعة القرار. فالاحتجاج يظل وسيلة مشروعة عندما تستنفد آليات الحوار، لكنه لا يمكن أن يكون المشروع الوحيد للعمل النقابي. أما النقابة الحديثة فهي تلك التي تمتلك مراكز للدراسات، وخبراء في الاقتصاد والقانون، وقدرة على تقديم بدائل واقعية ومقترحات تشريعية قابلة للتنفيذ، بحيث تتحول من مجرد معلق على السياسات العمومية إلى شريك في صياغتها.
وقبيل كل انتخابات تشريعية، يمكن للنقابات أن تلعب دوراً وطنياً بالغ الأهمية، ليس عبر توجيه الناخبين فقط ، وإنما عبر إلزام الأحزاب بنقاش اجتماعي حقيقي. فمن حق النقابات أن تسأل كل حزب: ما تصوركم لخلق فرص الشغل؟ كيف ستواجهون غلاء المعيشة؟ ما رؤيتكم لإصلاح التقاعد؟ كيف ستدعمون المقاولة الوطنية وتحافظون في الوقت نفسه على حقوق الأجراء؟ ما هي التزاماتكم بشأن الحوار الاجتماعي؟ وما هي خطتكم لمواكبة التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وحماية العمال من انعكاساته؟
هذه الأسئلة هي التي تمنح الانتخابات بعدها الاجتماعي الحقيقي، وتجعل النقابة فاعلاً مؤثراً دون أن تتحول إلى منافس للأحزاب أو بديلاً عنها.
ويعيش المغرب اليوم مرحلة دقيقة تتسم بأوراش استراتيجية كبرى، تشمل تعميم الحماية الاجتماعية، وإصلاح منظومة التقاعد، وتحديث الإدارة، والتحول الرقمي، والاستعداد لاستحقاقات دولية كبرى، وفي مقدمتها تنظيم نهائيات كأس العالم 2030. وكل هذه الأوراش ستخلق فرصاً اقتصادية كبيرة، لكنها ستطرح أيضاً تحديات جديدة مرتبطة بالتشغيل، والتكوين، والعدالة المجالية، وحماية اليد العاملة الوطنية، وهي ملفات لا يمكن تدبيرها دون شريك نقابي قوي ومسؤول.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى جيل جديد من النقابات؛ نقابات لا تكتفي برفع الشعارات، بل تقدم الدراسات، وتبني مواقفها على الأرقام والمعطيات، وتشارك في تقييم السياسات العمومية، وتقيس أثرها على القدرة الشرائية والاستثمار والإنتاجية. فالنقابة التي تتحدث بلغة الاقتصاد إلى جانب لغة الحقوق ستكون أكثر قدرة على إقناع صناع القرار والرأي العام.
كما أن استقلالية النقابة لا ينبغي أن تعني الحياد تجاه قضايا المجتمع. فالاستقلالية الحقيقية تعني أن تكون النقابة قريبة من هموم العمال، وبعيدة عن الحسابات الضيقة، وأن تحاسب الجميع الحكومة وحتى المعارضة بالمعيار نفسه بطرح الاسئلة هل تحسنت أوضاع الشغيلة؟ هل ارتفع التشغيل المنتج؟ هل تعززت العدالة الاجتماعية؟ وهل صارت التنمية أكثر إنصافاً؟
إن الانتخابات التشريعية ليست نهاية المطاف بالنسبة للنقابات، بل بداية مرحلة جديدة من الترافع. فبعد إعلان النتائج، يبدأ العمل الحقيقي: الحوار، والاقتراح، والتفاوض، ومراقبة تنفيذ الالتزامات، والدفاع عن الحقوق بوسائل مسؤولة ومتدرجة، تجمع بين قوة الحجة وشرعية النضال.
إن المغرب اليوم وهو يواصل بناء الدولة الاجتماعية التي جعلها جلالة الملك محمد السادس خياراً استراتيجياً، يحتاج إلى نقابات مستقلة، قوية، ومتجددة، تؤمن بأن الدفاع عن حقوق الشغيلة لا ينفصل عن دعم الاقتصاد الوطني، وأن الاستثمار المنتج والعدالة الاجتماعية ليسا خيارين متعارضين، بل ركيزتان اساسيتان للتنمية المستدامة.
لقد آن الأوان لأن تنتقل النقابة المغربية من موقع المتفرج على نتائج الانتخابات إلى موقع المؤثر في مضمونها الاجتماعي، ومن ثقافة الاحتجاج وحدها إلى ثقافة الاقتراح وصناعة البدائل، ومن ردود الفعل إلى استشراف المستقبل. فكل مقعد برلماني يساهم في سن قانون عادل هو، في جوهره، مكسب للشغيلة، وكل تشريع يحفظ كرامة العامل ويشجع الاستثمار المسؤول هو انتصار للوطن بأكمله.
إن النقابة التي تستعد للغد لا تنتظر نتائج الانتخابات لتبدأ عملها، بل تصنع منذ اليوم أجندة اجتماعية وطنية، تضع الإنسان العامل في قلب التنمية، وتجعل من البرلمان فضاءً لتجسيد تطلعات الشغيلة، لا مجرد ساحة للتجاذب السياسي. وعندها فقط تصبح الانتخابات التشريعية محطة لبناء أغلبية اجتماعية تخدم الوطن، قبل أن تكون مناسبة لتشكيل أغلبية سياسية تدبر شؤونه.
بقلم عبد الباسط لطفي



