أنبوب الغاز النيجيري–المغربي.. مشروع استراتيجي بصدقية مالية ودبلوماسية رصينة

ابراهيم ادريسي
يشهد المشهد الطاقي الإفريقي تنافسًا واضحًا بين مشروعين ضخمين لمدّ أنبوب الغاز من نيجيريا نحو أوروبا: الأول عبر المحيط الأطلسي مرورًا بالمغرب، والثاني عبر الصحراء الكبرى وصولًا إلى الجزائر. غير أن المقارنة الدقيقة بين المشروعين تكشف بجلاء الفارق في المصداقية والجدية، بما يجعل المشروع المغربي أكثر واقعية وقابلية للتحقيق.
المشروع المغربي–النيجيري (الأطلسي): رؤية استراتيجية متبصرة
هذا المشروع العملاق، الممتد على حوالي 6,000 كلم عبر 13 دولة إفريقية، يربط نيجيريا بالمغرب ثم بأوروبا عبر إسبانيا والبرتغال.
خصائصه:
جدوى اقتصادية واسعة: يستفيد منه قرابة 400 مليون نسمة في غرب إفريقيا، إلى جانب أوروبا.
أمن المسار: الساحل الأطلسي أكثر استقرارًا وأقل عرضة للتهديدات الإرهابية مقارنة بمناطق الساحل والصحراء.
انسجام استراتيجي: يتماشى مع سياسة المغرب في الطاقات المتجددة وإمكانية إدماج الهيدروجين الأخضر مستقبلًا.

تقدم ملموس: دراسات جدوى منجزة، اتفاقيات دولية موقعة، إنشاء شركة تنفيذ (SPV) قيد الإنجاز.
دعم مالي ودبلوماسي: يحظى بمساندة الاتحاد الأوروبي، البنك الإسلامي للتنمية، الولايات المتحدة، بريطانيا ودول خليجية.
نجاح المغرب في الدفع بالمشروع يعكس حكمة الدبلوماسية المغربية بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، الذي تبنى رؤية إفريقية قائمة على مقاربة رابح–رابح، حيث يربح المغرب وأوروبا من الطاقة الآمنة، وتربح دول غرب إفريقيا من التنمية والاندماج الاقتصادي.
المشروع الجزائري–النيجيري (العابر للصحراء): ماكيط دعائي أكثر منه مشروع واقعي
يقترح هذا الأنبوب أن يربط نيجيريا بالجزائر عبر النيجر، بطول 4,100 كلم وبكلفة 13 مليار دولار. لكنه يواجه عراقيل كبرى:
مسار غير آمن: يعبر مناطق النزاعات في شمال نيجيريا والنيجر وجنوب الجزائر، وهي بؤر لنشاط الجماعات المسلحة.
غياب الضمانات المالية: لا وجود لمساهمات فعلية أو مؤسسات تمويلية كبرى، بل مجرد تصريحات سياسية.
سوق محدود: يخدم ثلاث دول فقط، ويعتمد أساسًا على تصدير الغاز عبر أنبوب الجزائر–إيطاليا المشبع أصلًا.
بطء التنفيذ: لم تُنجز دراسات معمقة ولا إطار قانوني، ولا شركة تنفيذ.
بالتالي، يبدو المشروع الجزائري مجرد ورقة سياسية دعائية للرد على التقدم المغربي، دون مقومات مالية أو أمنية تضمن تنفيذه على أرض الواقع.
خلاصة
الأنبوب المغربي–النيجيري عبر الأطلسي يُجسد مشروعًا واقعيًا، مدعومًا ماليًا ودبلوماسيًا، يخدم مصالح إفريقيا وأوروبا في آن واحد، ويُكرس موقع المغرب كمحور استراتيجي للطاقة.
في المقابل، يظل الأنبوب الجزائري–النيجيري مشروعًا نظريًا محفوفًا بالمخاطر الأمنية والتمويلية، أشبه بـ “ماكيط على الورق” أكثر منه خطة قابلة للتنفيذ.
إن المصداقية المغربية هنا واضحة: ضمانات مالية، قناعة دولية، رؤية ملكية متبصرة، ومقاربة رابح–رابح تجعل من المشروع الأطلسي خيارًا استراتيجيًا لمستقبل الطاقة الإفريقية والأوروبية.



