الحاج مولاي أحمد العمراني الوجه الأكاديمي الذي جعل الطالب محور الرهان

مراكش / عادل التازي
في المشهد التعليمي والأكاديمي بمدينة مراكش، يبرز اسم الحاج مولاي أحمد العمراني باعتباره واحداً من الوجوه التي ارتبط حضورها بالتعليم العالي والتكوين وبناء الكفاءات. غير أن اختزال تجربته في صفته كرئيس للمدرسة العليا للدراسات الاقتصادية والتجارية والهندسية بمراكش، يظل غير كافٍ لفهم مسار رجل جعل من التربية والتكوين مشروعاً يتجاوز حدود المسؤولية الإدارية، ليصبح بالنسبة إليه التزاماً تجاه الأجيال ومستقبل المجتمع.
على امتداد سنوات من العمل في مجال التعليم، استطاع العمراني أن يرسخ حضوره من خلال رؤية تقوم على فكرة أساسية مفادها أن المؤسسة التعليمية لا ينبغي أن تكون مجرد فضاء للحصول على الشهادات، بل ورشة لصناعة الإنسان وتأهيله لمواجهة عالم سريع التحول. ومن هذا المنطلق، ظل حريصاً على أن تكون المؤسسة التي يقودها منفتحة على حاجات سوق الشغل، وعلى التحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي تفرض نفسها على منظومة التعليم العالي.

وتكتسب تجربته أهميتها من كونها جاءت في سياق أصبحت فيف الجامعة ومؤسسات التعليم العالي مطالبة بأدوار جديدة؛ فالشهادة الأكاديمية لم تعد وحدها كافية لضمان النجاح المهني، كما أن سوق الشغل لم يعد ثابتاً كما كان في السابق. ولذلك أصبح من الضروري، في نظر هذه الرؤية، أن يحصل الطالب إلى جانب المعرفة الأكاديمية على مهارات التواصل، والابتكار، والمبادرة، والقدرة على التكيف مع التكنولوجيا والتحولات المتسارعة.
ومن هنا جاء اهتمام العمراني بتطوير التكوينات والانفتاح على مجالات حديثة، بما فيها الرقمنة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والبحث العلمي، إلى جانب تعزيز العلاقات الأكاديمية والانفتاح على تجارب ومؤسسات تعليمية خارج المغرب. وهي اختيارات تعكس قناعة بأن المؤسسة التي تريد الاستمرار في أداء رسالتها مطالبة بأن تستشرف المستقبل، لا أن تكتفي بإعادة إنتاج الماضي.
لكن الجانب الأكثر دلالة في شخصية الحاج مولاي أحمد العمراني لا يرتبط فقط بالمؤسسة أو بالبرامج الأكاديمية، وإنما بعلاقته بالطلبة. فالطالب يحتل موقعاً مركزياً في فلسفة الرجل، باعتباره الغاية الأساسية من العملية التعليمية. ومن خلال المناسبات التي جمعت العمراني بالطلبة والخريجين، تبدو العلاقة متجاوزة للإطار الإداري التقليدي، لتأخذ طابعاً إنسانياً يقوم على التواصل والاحترام والتقدير المتبادل.
ولعل التكريمات التي حظي بها من طرف طلبته وخريجيه تكتسب، في هذا السياق، دلالة خاصة. فحين يأتي الاعتراف من الذين عاشوا التجربة التعليمية من الداخل، فإنه يتحول إلى شهادة على الأثر الإنساني الذي يمكن أن يتركه الأستاذ والمسؤول في مسار الشباب. فالأستاذ الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الدروس التي قدمها، وإنما بعدد الطلبة الذين استطاع أن يمنحهم الثقة والطموح والقدرة على النظر إلى المستقبل بإيجابية.
ويرتبط اسم العمراني كذلك بمدينة مراكش، التي لم تكن بالنسبة إليه مجرد فضاء لاحتضان المؤسسة، وإنما جزءاً من مساره وذاكرته وانتمائه. ومن داخل هذه المدينة، التي تجمع بين التاريخ والثقافة والانفتاح الدولي، عمل على ترسيخ حضور مؤسسة تعليمية تراهن على تكوين الشباب وتأهيلهم، وعلى جعل المعرفة والتكوين أحد مداخل التنمية.
وفي شخصية العمراني يلتقي البعد الأكاديمي بالبعد الإنساني؛ فخلف المسؤول الذي يدير مؤسسة ويشارك في لقاءات علمية ومهنية، يحضر الأستاذ الذي يعرف أن التعليم عملية طويلة النفس، وأن نتائجه لا تظهر دائماً في حينها. قد يغادر الطالب المؤسسة حاملاً شهادته، لكن أثر سنوات التكوين يمكن أن يرافقه طوال حياته المهنية والشخصية.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة مسيرة الحاج مولاي أحمد العمراني باعتبارها مسيرة رجل اختار الاستمرارية بدل الظهور، والعمل المؤسساتي بدل الاكتفاء بالشعارات، والانفتاح على المستقبل بدل الوقوف عند حدود التجربة التقليدية. فالتعليم بالنسبة إليه ليس نشاطاً منفصلاً عن المجتمع، وإنما مسؤولية تتطلب مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية، والاستجابة لطموحات جيل جديد يبحث عن المعرفة والفرصة معاً.
لقد أدرك العمراني، في وقت مبكر، أن نجاح أي مؤسسة تعليمية لا يتوقف فقط على بنيتها وتجهيزاتها أو عدد برامجها، بل يرتبط بقدرتها على تكوين شخصية متكاملة: طالب يمتلك المعرفة، ويفهم محيطه، ويستطيع التواصل، ويملك روح المبادرة، ويستعد للتعلم المستمر في عالم لا يتوقف عن التغير.
وهذه الرؤية تفسر الرهان على المقاولة والابتكار وربط التكوين بالحياة المهنية. فالمؤسسة التعليمية، في نهاية المطاف، مطالبة بأن تساعد الشباب ليس فقط على البحث عن وظيفة، وإنما أيضاً على اكتشاف قدراتهم، وتحويل أفكارهم إلى مشاريع، والمساهمة في خلق القيمة داخل المجتمع.
وبعد سنوات من الحضور في مجال التعليم والتكوين، يصبح من الصعب فصل اسم مولاي أحمد العمراني عن المؤسسة التي ارتبط بها وعن الأجيال التي مرت من فضائها. فالمؤسسات تُبنى بالإرادة والإمكانات، لكنها لا تكتسب قيمتها الحقيقية إلا عندما تصبح جزءاً من ذاكرة الناس.
وهنا تكمن إحدى أهم خصائص مسار الرجل: الأثر.
فالأثر لا يظهر دائماً في الأرقام والإحصائيات، بل في طالب يتذكر أستاذه بعد سنوات، أو خريج يعود إلى مؤسسته للاعتراف بفضل من ساهموا في تكوينه، أو شاب يدخل الحياة المهنية حاملاً معه شيئاً من القيم والمعارف التي اكتسبها خلال سنوات الدراسة.
لذلك، فإن الحديث عن الحاج مولاي أحمد العمراني لا ينبغي أن يكون مجرد استعراض لمسار مهني أو تعداد للمناصب والمسؤوليات، بل قراءة في تجربة رجل جعل من التعليم محوراً لحياته، ومن المؤسسة فضاءً لبناء الكفاءات، ومن الطالب جوهر المشروع.
إنها في النهاية قصة رجل يؤمن بأن المستقبل لا يُنتظر، وإنما يُبنى؛ وأن أفضل استثمار يمكن أن تقوم به المجتمعات هو الاستثمار في الإنسان؛ وأن المدرسة الناجحة ليست التي تمنح أبناءها شهادة عند نهاية المسار فحسب، وإنما التي تمنحهم الأدوات التي تمكنهم من كتابة مسارهم بأنفسهم.
ومن مراكش، يواصل الحاج مولاي أحمد العمراني حضوره في المشهد التعليمي، حاملاً معه تجربة طويلة ورؤية تراهن على المعرفة والانفتاح والابتكار، ومؤمناً بأن كل طالب يدخل المؤسسة يحمل حلماً، وأن مسؤولية التعليم هي أن تساعده على تحويل ذلك الحلم إلى مشروع حياة.
وهكذا تتجاوز سيرة الحاج مولاي أحمد العمراني حدود رجل التعليم والمسؤول الأكاديمي، لتصبح حكاية رجل جعل من خدمة المعرفة والتكوين رسالة، ومن بناء الإنسان هدفاً، ومن المؤسسة التي يقودها جسراً يصل بين طموح الشباب ومتطلبات المستقبل.

