وجهات نظر

د. زكرياء لعروسي يكتب : من تدبير النزاع إلى طيه: هل تدخل قضية الصحراء المغربية مرحلة الحسم الدبلوماسي؟

يحمل انتقال خطاب الدبلوماسية المغربية، بقيادة رشيدة حكيمة لجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، من “تدبير النزاع” إلى “طي النزاع” دلالة تتجاوز حدود التدافع الدبلوماسي إلى مستوى التحول في إدراك طبيعة المرحلة التي بلغها الملف داخل المنظومة الدولية. فالنزاعات الدولية تمر عادة من طور التدويل والتأطير القانوني إلى طور البحث عن الصيغ السياسية الكفيلة بإنهائها، ويُستدل على هذا التحول من خلال اللغة التي تعتمدها الدول والهيئات الدولية في توصيفها للمسار التفاوضي بشأن هذا النزاع المفتعل. فيبدو أن الدعوة إلى طي النزاع تعكس ترسيخ قراءة مغربية تعتبر أن القضية انتقلت من مرحلة تثبيت المرجعيات إلى مرحلة استثمار التحولات الدولية المتراكمة في اتجاه بناء تسوية نهائية، تقطع مع مرحلة شراء الذمم وتبني أفقا تنمويا، أخذا بعين الاعتبار طبيعة القانون الدولي الذي يتفاعل باستمرار مع موازين القوى، ومع التحولات الجيوسياسية، ومع قدرة الفاعلين على إنتاج حلول مستدامة قابلة للتطبيق والاستمرار.
وتندرج تصريحات السفير الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة، عمر هلال، في سياق دبلوماسي وقانوني يشهد تحولات متسارعة في مقاربة الأمم المتحدة لقضية الصحراء المغربية. فقد دعا، خلال المؤتمر الإقليمي للجنة الـ24 المنعقد بماناغوا، إلى الانتقال من مرحلة تدبير النزاع إلى مرحلة طيه، مستنداً إلى ما اعتبره دينامية دولية جديدة عززها القرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن. وقد ركزت مداخلته على مركزية مجلس الأمن في مواكبة هذا الملف بحكم مسؤوليته الأساسية في حفظ السلم والأمن الدوليين، وعلى تنامي الدعم الدولي للمبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها إطاراً سياسياً يحظى باهتمام متزايد داخل المنتظم الدولي. وتكشف هذه المرافعة عن توجه يروم إعادة قراءة القضية في ضوء التحولات التي عرفها مسارها الأممي خلال السنوات الأخيرة، حيث تتقدم مفاهيم التسوية السياسية والواقعية والتوافق إلى صدارة النقاش الدولي، بما يفتح المجال أمام مقاربة تستحضر مقتضيات القانون الدولي وتوازنات النظام الدولي في آن واحد، وتربط بين الشرعية القانونية ومتطلبات الاستقرار الإقليمي وآفاق التسوية المستدامة.
وتكتسب الإشارة إلى المادة 12 من ميثاق الأمم المتحدة أهمية خاصة في النقاش الدائر حول الإطار المؤسساتي الأنسب لمعالجة قضية الصحراء. فهذه المادة تقرر، من حيث الأصل، أولوية مجلس الأمن في النظر في النزاعات والمسائل التي يباشر بشأنها وظائفه المرتبطة بحفظ السلم والأمن الدوليين، بما يجعل تدخل الجمعية العامة وأجهزتها الفرعية محكوماً بضوابط تضمن وحدة العمل الأممي وتجنب تداخل الاختصاصات. ويكتسب الدفع المغربي القائم على مركزية مجلس الأمن وجاهته القانونية من كون ملف الصحراء يوجد منذ عقود ضمن جدول أعمال المجلس، ومن كونه موضوع قرارات دورية تحدد أطراف العملية السياسية ومرجعياتها وآليات مواكبتها. كما أن تعيين المبعوث الشخصي للأمين العام، واعتماد بعثة المينورسو، وتجديد الولاية الأممية المرتبطة بالملف، كلها مؤشرات تعكس الحضور المحوري لمجلس الأمن في تدبير هذا النزاع. وعليه، فإن النقاش الذي أثاره السفير عمر هلال يتجاوز الجانب الإجرائي المرتبط بأجندة لجنة الـ24 ليطرح سؤالاً أعمق يتعلق بمدى انسجام المسارات الأممية المختلفة مع التطور الذي عرفته القضية داخل المنظومة الدولية، ومع المكانة التي أضحت تحتلها داخل اختصاصات مجلس الأمن بوصفه الجهاز الأممي المكلف بحماية السلم والأمن الدوليين.
وعند استقراء قرارات مجلس الأمن خلال العقدين الأخيرين، يلفت الانتباه الحضور المتكرر لمفاهيم “الحل السياسي” و”الواقعي” و”العملي” و”القائم على التوافق”. وهذه المفاهيم تشكل مؤشرات معيارية تعكس تطور مقاربة المجتمع الدولي للنزاع، إذ إن محاولات تطبيق القانون الدولي، في مجال تسوية المنازعات، أصبحت تمنح أهمية متزايدة لمبدإ الفعالية السياسية وللقدرة على تحقيق الاستقرار، إلى جانب اعتبارات الشرعية القانونية. ومن ثم فإن قوة أي مبادرة إنما تُقاس بقدرتها على توفير إطار مؤسساتي يحقق الأمن والتنمية ويضمن استدامة السلم، لذلك تكتسب المبادرة المغربية للحكم الذاتي أهمية خاصة بوصفها مقترحاً يسعى إلى المواءمة بين مقتضيات السيادة الوطنية ومتطلبات التدبير الذاتي المحلي في إطار الدولة الواحدة، صونا لكرامة المواطنين وسعيا لإنهاء نزاع مفتعل عمر طويلا، وأعاق مسار التنمية والاستقرار في المنطقة.
ولعل التحول الأبرز الذي عرفه الملف خلال السنوات الأخيرة يتمثل في اتساع دائرة الدعم الدولي للموقف المغربي داخل فضاءات القرار العالمي، فعندما تعبر قوى كبرى، مؤثرة في السياسة الدولية، من توجهات وأجندات مختلفة، عن دعمها لمقترح معين، فإن ذلك يؤثر في تشكيل الإدراك الجماعي للمجتمع الدولي، ويعيد رسم حدود الممكن داخل العملية السياسية، أخذا بعين الاعتبار أن الشرعية الدولية تتشكل عبر شبكة معقدة من الاعترافات والممارسات والتوافقات التي تمنح بعض الخيارات قوة دفع أكبر داخل النظام الدولي، وتلكم طبيعة القانون الدولي.
إن قضية الصحراء أصبحت تُقرأ اليوم ضمن سياق جيوسياسي أوسع يتجاوز حدود النزاع ذاته، فالواجهة الأطلسية للمغرب تشهد تحولات استراتيجية عميقة ترتبط بالأمن الإقليمي والهجرة الدولية والطاقة وسلاسل التجارة العالمية، وفي مثل هذه البيئات المضطربة، تميل القوى الدولية إلى تفضيل الحلول التي تعزز الاستقرار وتحد من بؤر التوتر المزمنة. ولذلك فإن موقع الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية داخل المشاريع التنموية الكبرى، وفي المبادرات الأطلسية والإفريقية التي أطلقها المغرب، يمنح القضية بعداً استراتيجياً جديداً يجعلها جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي والتنمية القارية، والقطع التدريجي مع بعض محاولات اعتباره مجرد ملف سياسي معزول عن محيطه الجيوسياسي، تتقاذفه رياح الإيديولوجيات، التي انهارت بانهيار جدار برلين.
وعلى هذا الأساس، يمكن فهم الدعوة إلى طي النزاع باعتبارها تعبيراً عن لحظة تتقاطع فيها الشرعية التاريخية مع الشرعية القانونية ومع الفعالية الدبلوماسية، فالتطورات التي عرفها الملف خلال العقود الأخيرة أفرزت واقعاً دولياً جديداً يقوم على تزايد الاعتراف بجدية المقترح المغربي، وعلى تنامي الاهتمام الدولي باستقرار المنطقة، وعلى حضور متنامٍ للأقاليم الجنوبية في الديناميات الاقتصادية والتنموية. ومن ثم فإن سؤال الحسم الدبلوماسي أصبح متصلاً بمدى قدرة الفاعلين الدوليين على تحويل التراكمات السياسية والقانونية والتنموية إلى أرضية مشتركة لتسوية نهائية. وهنا تتجلى قيمة الدبلوماسية بوصفها فناً لتحويل الزمن إلى حجة، والتوافق الدولي إلى أفق للحل والاستقرار.

د. زكرياء لعروسي
باحث في العلاقات الدولية والعلوم السياسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى