دوليات

الجزائر والصحراء المغربية: من عقيدة الإنكار إلى واقعية الانكسار السياسي

ابراهيم ادريسي

 

في التحولات الكبرى للدول، لا تكمن أهمية الأحداث فقط في ما يُقال، بل في ما كانت الأنظمة تعتبره مستحيلاً ثم تجد نفسها مضطرة إلى قبوله تحت ضغط الوقائع. وهذا بالضبط ما يحدث اليوم في ملف الصحراء المغربية، حيث يعيش النظام الجزائري أحد أكبر التحولات السياسية والدبلوماسية في تاريخه الحديث، بعدما انتقل، في ظرف أشهر قليلة فقط، من خطاب الرفض المطلق لمبادرة الحكم الذاتي إلى المشاركة القسرية في مسار تفاوضي ترعاه الأمم المتحدة والولايات المتحدة، يقوم عمليًا على المرجعية نفسها التي ظل يهاجمها لعقود.

لقد ظل النظام الجزائري، لأكثر من نصف قرن، يقدم نفسه باعتباره “المدافع الأول” عن المشروع الانفصالي، وسخّر إمكاناته السياسية والدبلوماسية والإعلامية والعسكرية لرعاية جبهة البوليساريو، وتغذية نزاع إقليمي مفتعل استنزف المنطقة المغاربية وعطل حلم التكامل الاقتصادي والسياسي لشعوبها. وكانت الجزائر تصر، في كل المحافل، على تقديم ما يسمى “الجمهورية الصحراوية” الوهمية باعتبارها “دولة قائمة”، وتتعامل مع البوليساريو كـ”حكومة شرعية”، بينما كانت ترفض أي مقاربة للحل تحت السيادة المغربية.

لكن المشهد تغير جذريًا.

ففي تحول غير مسبوق، خرج وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف بخطاب بدا وكأنه إعلان سياسي عن نهاية مرحلة كاملة من العقيدة الدبلوماسية الجزائرية تجاه قضية الصحراء المغربية. لم يتحدث الرجل عن “الجمهورية الصحراوية” الوهمية، ولم يكرر الشعارات التقليدية التي ظلت الجزائر ترددها لعقود، بل تحدث بلغة مختلفة تمامًا: مفاوضات، حل توافقي، قرارات مجلس الأمن، واستعداد لدعم ما ستسفر عنه العملية السياسية.

واللافت في التحول الذي تشهده المقاربة الجزائرية لملف الصحراء، أن وزير الخارجية أحمد عطاف أعلن، بشكل صريح، دعم الجزائر لجميع قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بالنزاع، وفي مقدمتها القرار 2797 الصادر بتاريخ 31 أكتوبر 2025، والذي شكّل، وفق متابعين، محطة مفصلية في المسار الأممي، بعدما منح أولوية واضحة لمقاربة الحل الواقعي والعملي القائم على مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتبارها الإطار الأكثر جدية ومصداقية لتسوية النزاع، بعدما كان عطاف نفسه قد تبنى، في أعقاب صدوره مباشرة، موقفًا مغايرًا اتسم بالتشكيك والرفض الصريح لمضمونه ومساره السياسي، قبل أن يعود اليوم بخطاب مختلف يقوم على الإشادة به والدعوة إلى الالتزام بمخرجاته الأممية، في تحول يعكس حجم الارتباك الذي بات يطبع الخطاب الرسمي الجزائري تجاه التحولات الدولية المتسارعة المرتبطة بهذا الملف و انصياعه التام للشرعية الدولية .

وهو تحول لا يعكس تطورًا في القناعات بقدر ما يكشف حجم الإكراهات الجيوسياسية التي دفعت النظام الجزائري إلى الانتقال من موقع الرفض والمواجهة إلى موقع التكيف والاستسلام لواقع دولي جديد فرضته التحولات الدبلوماسية الكبرى في الملف.

هنا تكمن المفارقة الكبرى.

فالجزائر التي قضت سنوات طويلة تهاجم المقترح المغربي، وتحاول عرقلة أي مسار دولي يمنحه الشرعية، تجد نفسها اليوم مضطرة إلى التعامل معه كأرضية سياسية قائمة، بل وتشارك في مفاوضات تدور عمليًا داخل هذا الإطار. أما تبرير مشاركتها بأنها مجرد “دولة جارة ومراقبة”، فلا يبدو سوى محاولة متأخرة لحفظ ماء الوجه السياسي أمام الرأي العام الداخلي، لأن الوقائع الدبلوماسية تؤكد أن الجزائر انتقلت من موقع “الطرف المنكر” إلى موقع “الطرف المنخرط” في مسار التسوية.

والأكثر دلالة أن هذا التحول لم يعد مقتصرًا على وزير الخارجية، بل سبقه تمهيد مباشر من الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الذي أكد في تصريحات بثها التلفزيون الرسمي مطلع ماي 2026 أن “هناك قرارًا أمميًا بشأن الصحراء وهو يأخذ مجراه”، في اعتراف ضمني بأن الجزائر لم تعد قادرة على مواجهة التحول الدولي المتسارع لصالح المغرب.

إننا أمام لحظة سياسية فارقة تكشف حجم الانتصار الدبلوماسي الذي حققه المغرب تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله، الذي نجح خلال سنوات قليلة في قلب موازين الملف بشكل جذري، عبر رؤية استراتيجية بعيدة المدى نقلت قضية الصحراء من مرحلة الدفاع إلى مرحلة المبادرة وفرض الواقع السياسي الجديد.

فالمغرب لم يكتفِ بالدفاع عن شرعيته التاريخية والقانونية، بل بنى مشروعًا متكاملًا قائمًا على التنمية، والاستقرار، والشراكات الدولية، وتحويل الأقاليم الجنوبية إلى مركز استراتيجي إفريقي ودولي. وفي المقابل، بدأت الأطروحة الانفصالية تتآكل تدريجيًا داخل المؤسسات الدولية، بعدما فقدت الكثير من غطائها السياسي والدبلوماسي.

كما أن التحولات الجيوسياسية الدولية لعبت دورًا حاسمًا في هذا المسار. فالقوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لم تعد تنظر إلى النزاع من زاوية الشعارات الإيديولوجية القديمة، بل من زاوية الاستقرار الإقليمي، وأمن الساحل، ومكافحة الإرهاب، وضمان التوازنات الاستراتيجية في غرب المتوسط وإفريقيا اكيد باحترام تام للشرعية الدولية التي اعطت الحق للمغرب في صحرائه.

وفي هذا السياق، أصبحت مبادرة الحكم الذاتي المغربية تُنظر إليها باعتبارها الحل الواقعي الوحيد القادر على إنهاء النزاع وضمان الاستقرار في اطار الشرعية، بينما باتت المشاريع الانفصالية تُعتبر جزءًا من أزمات الماضي، حقبة الحرب الباردة التي تجاوزها العالم.

لهذا، فإن التحول الحالي في الخطاب الجزائري ليس مجرد تعديل لغوي أو مناورة تكتيكية عابرة، بل يعكس بداية انهيار سردية سياسية كاملة بُنيت على أوهام الحرب الباردة والصراع الإيديولوجي. فحين تنتقل الجزائر من الترويج لـ”الجمهورية الصحراوية” الوهمية إلى الاكتفاء بذكر “البوليساريو”، ومن رفض المفاوضات إلى المشاركة فيها، ومن مهاجمة قرارات مجلس الأمن إلى إعلان دعمها رسميًا، فإن ذلك يعني أن النظام الجزائري بدأ، ولو على مضض، في التكيف مع واقع سياسي جديد عنوانه: الصحراء مغربية، والحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أصبح مرجعية المجتمع الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى