مجتمع

إشكالية سوق السمك والجزارة الجديد قرب سوق الفلاح بوجدة بين ضرورات التحديث ومخاوف تكرار أخطاء الماضي

ابراهيم ادريسي

 

 

أعاد مشروع سوق السمك والجزارة الجديد قرب سوق الفلاح بمدينة وجدة فتح النقاش حول النموذج التجاري الأنسب للمدينة، خاصة مع التوجه نحو إنشاء بناية متعددة الطوابق لاحتضان عدد كبير من المستفيدين. وبين الرغبة في تحديث البنية التجارية وتحسين ظروف العمل، تتصاعد بالمقابل مخاوف حقيقية من تكرار تجارب سابقة لم تحقق الأهداف المنتظرة، سواء على مستوى التنظيم أو الرواج التجاري.

فالتجارب التي عرفتها المدينة، وعلى رأسها “سوق طنجة” بمدينة وجدة، إلى جانب السوق المغطى وبعض الأسواق الخاصة الأخرى، أبانت عن محدودية نجاح الأنشطة التجارية داخل الطوابق العليا، رغم توفير تجهيزات حديثة في بعض الحالات كالسلاليم الكهربائية. إذ بقيت الحركة التجارية مركزة أساسًا بالطابق الأرضي، بينما عانت الطوابق الأخرى من ضعف الإقبال وعزوف الزبائن والتجار معًا.

ويرى متابعون للشأن المحلي أن الإشكال يتجاوز الجانب المعماري، ليرتبط بطبيعة الثقافة التجارية الوجدية نفسها، حيث يفضل المواطن الولوج المباشر للمحلات الأرضية، ويرتبط النشاط التجاري اليومي بسهولة الوصول والرؤية المباشرة للسلع والخدمات. لذلك، فإن بناء سوق عمودي متعدد الطوابق قد يتحول إلى مشروع لا يحقق أهدافه التنظيمية والاقتصادية بالشكل المطلوب.

كما أن العدد الكبير للمستفيدين، مقابل المساحة المتوفرة، سيؤدي عمليًا إلى تقليص حجم المحلات بشكل كبير بعد اقتطاع الممرات والمرافق والتجهيزات التقنية، ما قد يجعل عدداً من التجار غير قادرين على مزاولة نشاطهم في ظروف مناسبة، خاصة في قطاعي السمك والجزارة اللذين يحتاجان إلى فضاءات عملية وواسعة نسبيًا.

ويحذر مهنيون وفاعلون محليون من أن أي مشروع لا يراعي هذه المعطيات الواقعية قد تكون له نتائج عكسية، إذ بدل إنهاء مظاهر التجارة العشوائية، قد يدفع عدداً من الباعة إلى مغادرة السوق والعودة إلى الشوارع والأزقة من أجل البيع والشراء، بحثًا عن الرواج التجاري المباشر الذي قد لا يجدونه داخل الطوابق العليا أو المحلات الضيقة. كما أن هذا الوضع قد يعيد إلى الواجهة ظاهرة البيع غير المهيكل والعرض العشوائي المعرقل لحركة السير والجولان، وهي الظاهرة التي عانت منها المدينة لسنوات وتسببت في احتلال الملك العمومي وتشويه المشهد الحضري.

وفي هذا السياق، يبرز مقترح يراه عدد من المتابعين أكثر توازنًا وواقعية، يتمثل في الإبقاء على باعة السمك داخل السوق الجديد قرب سوق الفلاح، بحكم طبيعة نشاطهم المرتبط بالموقع الحالي والحركية التجارية اليومية التي تعرفها المنطقة، مع تخصيص الطابق الأرضي بالكامل لهم لضمان نجاح المشروع وتحقيق الرواج المطلوب.

في المقابل، يقترح نقل باعة اللحوم والجزارة إلى سوق جديد يمكن إحداثه فوق الوعاء العقاري العاري المتواجد خلف سينما النصر، بالقرب من محطة الطاكسيات الكبيرة الموجهة نحو أحياء سيدي يحي وحي السلام، وهي منطقة تتميز بحركية سكانية وتجارية مهمة، إضافة إلى توفرها على مساحة أوسع تسمح بإنجاز سوق عصري ومنظم يستجيب لمتطلبات المهنيين والزبائن في آن واحد.

كما أن هذا الحل من شأنه أن يخفف الضغط والاكتظاظ عن المشروع الحالي، ويوفر ظروفًا أفضل لتنظيم القطاعين بشكل منفصل، بدل تجميع عدد كبير من الأنشطة التجارية داخل بناية واحدة قد تواجه مستقبلاً صعوبات في الاستغلال والتسيير.

ويبقى نجاح أي مشروع تجاري أو عمراني بمدينة وجدة رهينًا بمدى احترامه للواقع الاجتماعي والثقافة التجارية المحلية، لأن الغاية الحقيقية ليست فقط بناء أسواق جديدة، بل خلق فضاءات قادرة على الاستمرار وتحقيق التنظيم والرواج معًا، دون إعادة إنتاج أزمات الماضي بصيغ مختلفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى