ابراهيم ادريسي يكتب: صمت البيجيدي بوجدة… هل بدأ حزب المصباح حرب الخداع قبل التشريعيات؟

ليست كل المدن تتكلم بالطريقة نفسها،
وليست كل الأحزاب تكشف أوراقها بالسرعة ذاتها.
بينما كانت أقاليم عديدة تحسم الجدل وتعلن أسماء مرشحيها للانتخابات التشريعية المقبلة بوضوح لا يترك مجالا للتأويل، اختارت وجدة أنكاد طريقا آخر… طريق الصمت.
صمتٌ بدا في ظاهره عاديا، لكنه في العمق كان أشبه بباب موصد تخفي وراءه غرفة مكتظة بالأسرار.
هنا، بالضبط، بدأت الحكاية.
كيف لإقليم بحجم وجدة، بما تمثله دائرته من ثقل سياسي وانتخابي، أن يتأخر في إعلان نتائج انتخاباته الداخلية، في وقت كانت فيه باقي الأقاليم قد أفرغت ما في جعبتها من أسماء وترتيبات ولوائح احتياط؟
أهو ارتباك تنظيمي؟
أم خلاف صامت؟
أم أن الحزب، بخبرته الطويلة في إدارة المعارك، قرر أن يجعل من الغموض نفسه أداة اشتغال؟
حين يتقدم الشاب… ويتوارى الأستاذ
من كواليس الحزب، تسربت المعطيات التي أزاحت جزءا من الستار عن المشهد.
الترتيب، بحسب ما حصلت عليه الجريدة من مصادرها، جاء على النحو الآتي:
الأول: رشيد الهيلالي
الثاني: عبد الله الهامل
الثالث: عبد العزيز افتاتي
في الظاهر، يبدو الأمر طبيعيا:
اسم شاب كفؤ، يحظى بالاحترام والثقة، يتصدر المشهد، في إشارة واضحة إلى رغبة الحزب في ضخ دم جديد داخل واجهته الانتخابية.
لكن السياسة لا تُقرأ دائما بظاهر الأسماء.
رشيد الهيلالي ، كما يعرفه المقربون من البيت الداخلي، ليس مجرد شاب طموح؛ إنه أيضا نموذج للأدب السياسي والوفاء التنظيمي، ومن الصعب تصور قبوله بخوض سباق رمزي ضد أستاذه وقدوته عبد العزيز افتاتي، أحد الوجوه التي طبعت مسار الحزب بوجدة لسنوات.
وهنا بالذات يتسلل الشك من جديد:
هل قبل الشاب فعلا أن يتقدم على أستاذه؟
أم أن الترتيب نفسه يخفي وظيفة أخرى غير ما يبدو على السطح؟
المرتبة الثالثة التي قالت كل شيء
كل خيط في هذه القصة يقود إلى اسم واحد: عبد العزيز افتاتي.
فالرجل، الذي راج في بعض الكواليس أنه غير متحمس للعودة، أو أنه اختار التواري عن الواجهة، يظهر فجأة في المرتبة الثالثة.
وهنا يتحول الشك إلى سؤال أكبر:
إذا كان افتاتي قد آثر الابتعاد، فلماذا ظل اسمه حاضرا في الترتيب؟
وإذا كان حاضرا، فلماذا لم يُعلن الحزب ذلك بوضوح؟
الجواب لا يكمن في الأسماء بقدر ما يكمن في طريقة توظيف الأسماء.
وجود افتاتي ثالثا لا يعني فقط حضوره الرمزي، بل يكشف أن الحزب اختار أن يمزج بين شرعية التجربة ووهج التجديد، دون أن يمنح خصومه صورة نهائية عن رأس اللائحة الحقيقي.
إنها لعبة ظل وواجهة.
الواجهة فيها شاب كفؤ.
والظل فيها اسم مخضرم يزن الكثير.
مناورات ما قبل المعركة
حين يصبح الترتيب معروفا في الكواليس، ويظل مجهولا في البلاغات الرسمية، فإن الأمر لا يعود مجرد تأخر في التواصل.
هنا نحن أمام هندسة انتخابية واعية.
العدالة والتنمية بوجدة يدرك أن خصومه يترقبون كل إشارة، وأن الإعلان المبكر عن الاسم الحاسم قد يفتح الباب أمام حملات استهداف مركزة، أو يدفع الأحزاب الأخرى إلى إعادة ترتيب مرشحيها وخطابها وتحالفاتها.
لذلك كان الصمت هو البلاغ الأقوى.
تركُ اسم رشيد الهيلالي يتداول بقوة يمنح الانطباع بأن الحزب حسم في خيار التجديد.
وإبقاء عبد الله الهامل في قلب المعادلة يضمن التوازن الداخلي.
أما وضع افتاتي ثالثا، فهو رسالة مزدوجة:
الرمز حاضر… لكن الورقة النهائية لم تُكشف بعد.
حين يصبح الغموض خطة
هنا يصل التحليل إلى لحظة اليقين.
ما بدا في البداية تأخرا غامضا، ليس سوى تمويه استراتيجي تكتيكي، يندرج في منطق سياسي قديم:
الحرب خدعة.
الحزب لم يترك الغموض لأنه مرتبك،
بل صنع الغموض لأنه يريد للخصوم أن يقرؤوا المشهد بشكل ناقص.
في عالم الانتخابات، أحيانا يكون أفضل إعلان هو ألا تعلن.
وأقوى خطاب هو أن تجعل منافسك يشتغل على فرضيات خاطئة.
الخلاصة: وجدة لم تصمت… بل تكلمت بلغة الكبار
في النهاية، لا يبدو أن العدالة والتنمية بوجدة أنكاد يعيش وضعا غير عادي، بقدر ما يظهر أنه اختار أن يدير معركته بمنطق مختلف.
ترتيب محسوم في الداخل.
صمت مدروس في الخارج.
وأسماء توزع الأدوار بين التجديد والرمزية.
إنه درس آخر في السياسة:
حين تشتد المعركة، يصبح الغموض سلاحا، ويصير الصمت أبلغ من كل البلاغات.



