سعيد بوطبسيل يكتب: الخطر المحدق للمنصات: لماذا تتجه الدول إلى حظر مواقع التواصل على القاصرين؟

لم يعد حضور الأطفال في الفضاء الرقمي ظاهرة هامشية، بل تحول إلى معطى بنيوي يعيد تشكيل أنماط التنشئة الاجتماعية والمعرفية. فقد أضحت مواقع التواصل الاجتماعي جزءًا من الحياة اليومية للقاصرين، في غياب نضج إدراكي كافٍ وآليات رقابية فعالة. وبينما يُنظر إلى هذه المنصات بوصفها أدوات للتواصل والتعلم، تتزايد المؤشرات العلمية التي تنبه إلى كلفة خفية باهظة، تجعل من كل يوم تأخير في التدخل التشريعي أو التربوي عاملًا مضاعفًا للمخاطر. لقد دخلت الطفولة مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ”الطفولة الرقمية غير المؤطرة”، حيث يسبق التعرض للتكنولوجيا القدرة على فهمها أو التحكم فيها.

تكشف الأدبيات العلمية الحديثة أن تأثير مواقع التواصل على القاصرين يتجاوز الاستخدام العادي ليبلغ مستوى التأثير العميق في البنية النفسية والعصبية. فآليات “التعزيز الفوري” المرتبطة بالإعجابات والإشعارات تعمل على تحفيز نظام الدوبامين في الدماغ، ما يخلق أنماطًا سلوكية قريبة من الإدمان. وتشير دراسات إلى أن المراهقين الذين يقضون أكثر من ثلاث ساعات يوميًا على هذه المنصات ترتفع لديهم احتمالات الإصابة بالقلق والاكتئاب بنسبة تتجاوز 60%. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى ضعف التركيز وتراجع القدرة على التعلم العميق، نتيجة الاعتياد على الاستهلاك السريع والمتقطع للمحتوى.
اجتماعيًا، يرتبط الاستخدام المكثف بتنامي ظاهرة التنمر الإلكتروني، حيث تفيد تقارير دولية بأن واحدًا من كل ثلاثة أطفال تعرض لشكل من أشكال الإساءة الرقمية. كما يسهم الانغماس في العالم الافتراضي في تقليص التفاعل الأسري المباشر، بما يؤدي إلى هشاشة في الروابط الاجتماعية وتراجع مهارات التواصل الواقعي. أما على المستوى القيمي، فإن التعرض غير المصفّى لمحتويات تتراوح بين العنف والإباحية والتضليل يعيد تشكيل منظومة المعايير لدى القاصرين، في غياب قدرة نقدية تمكنهم من التمييز، وهو ما يجعل الطفل مستهلكًا سلبيًا بدل أن يكون فاعلًا واعيًا.
ويتقاطع رأي علماء النفس والأعصاب مع خبراء التربية والأمن الرقمي في التأكيد على أن الطفولة الرقمية غير المؤطرة تمثل تهديدًا حقيقيًا للنمو السليم. فالأبحاث في علم الأعصاب تشير إلى أن الدماغ في مرحلة المراهقة يتميز بمرونة عالية تجعله أكثر قابلية للتأثر بالمحفزات الرقمية المكثفة، ما قد يؤثر في تطور مناطق التحكم في الانتباه واتخاذ القرار. ويحذر التربويون من أن الاعتماد المفرط على الوسائط الرقمية يضعف مهارات بناء المعرفة، ويعزز النزعة نحو الاستهلاك بدل الإنتاج، بينما يؤكد خبراء الأمن أن القاصرين يشكلون الحلقة الأضعف في منظومة الحماية الرقمية، نظرًا لسهولة استهدافهم وقلة إدراكهم لمخاطر الفضاء السيبراني.
في ظل هذا القلق المتصاعد، لم يعد تدخل الدول خيارًا مؤجلًا، بل أصبح ضرورة ملحة. فقد اتخذت أستراليا خطوة غير مسبوقة بحظر استخدام مواقع التواصل الاجتماعي لمن هم دون 16 سنة، مع فرض غرامات صارمة على الشركات التي لا تلتزم بآليات التحقق من السن. ولم يكن هذا القرار سياسيًا ظرفيًا، بل استند إلى تقارير علمية أكدت وجود ارتباط مباشر بين الاستخدام المكثف للمنصات وتدهور الصحة النفسية لدى المراهقين. وقد شكل هذا التوجه نقطة تحول، إذ انتقل النقاش من منطق التوعية إلى منطق الإلزام القانوني.
وسرعان ما بدأت دول أخرى في الاتجاه نفسه، حيث تدرس بريطانيا اعتماد قيود مماثلة، كما تتجه عدة دول أوروبية نحو تشديد الرقابة على استخدام القاصرين لهذه المنصات، سواء عبر فرض التحقق الإجباري من العمر أو تقييد الخصائص التي تعزز الإدمان الرقمي. وفي السياق ذاته، أعلنت إندونيسيا حظرًا مماثلًا، مبررة ذلك بتفاقم ظواهر الإدمان الرقمي وانتشار المحتوى غير الأخلاقي وتزايد حالات التنمر والاحتيال، واصفة الوضع بأنه خطر حقيقي على الأطفال، وهو توصيف يعكس انتقال النقاش من مستوى التحذير إلى مستوى الاستعجال.
غير أن هذا التوجه يطرح إشكالًا أكثر عمقًا يتعلق بدور شركات التكنولوجيا المالكة لهذه المنصات. فبينما تعلن هذه الشركات التزامها بحماية المستخدمين، تكشف الوقائع عن ضعف فعالية أنظمة التحقق من السن، واستمرار وصول القاصرين إلى هذه المنصات بسهولة. ويطرح هذا الوضع تساؤلات حول ما إذا كان الأمر يتعلق بعجز تقني أم بسياسة ضمنية مرتبطة بنموذج اقتصادي يقوم على تعظيم زمن الاستخدام. فخوارزميات هذه المنصات مصممة لإبقاء المستخدم أطول مدة ممكنة، وهو ما يتعارض موضوعيًا مع مصلحة القاصرين، ويجعل من “اقتصاد الانتباه” أحد أبرز التحديات الأخلاقية في العصر الرقمي.
ورغم وجاهة الحظر كإجراء وقائي، إلا أنه لا يخلو من حدود، إذ يواجه صعوبات تطبيقية مرتبطة بإمكانية التحايل عبر الحسابات الوهمية أو الوسائل التقنية المختلفة. لذلك، يذهب عدد من الخبراء إلى أن الحظر، رغم أهميته، لا يمكن أن يكون حلًا مكتملًا، بل يجب أن يندرج ضمن مقاربة شمولية تشمل التربية الرقمية، وتعزيز دور الأسرة، وإعادة النظر في تصميم المنصات نفسها بما يجعلها أكثر أمانًا للفئات الهشة.
وفي هذا السياق، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: إلى متى سيظل المغرب خارج هذا النقاش التشريعي المتقدم؟ فمع تزايد استخدام الأطفال للهواتف الذكية ومواقع التواصل، يظل الإطار القانوني محدودًا ولا يواكب حجم التحديات المطروحة. إن الحاجة باتت ملحة لوضع سياسات عمومية متكاملة تحمي القاصرين رقميًا، وتلزم الشركات بآليات تحقق صارمة من السن، وتدمج التربية الرقمية في المناهج التعليمية، باعتبارها مهارة أساسية في القرن الحادي والعشرين.
غير أن انتظار تدخل الدولة لا ينبغي أن يحجب الدور المركزي للأسرة، التي تظل خط الدفاع الأول في مواجهة هذه المخاطر. فتمكين القاصرين من الهواتف الذكية دون ضوابط، وفي سن مبكرة، يفتح الباب أمام تأثيرات يصعب التحكم فيها لاحقًا. إن الوعي بخطورة الوضع، وممارسة رقابة متوازنة، وتوجيه الاستخدام نحو ما هو مفيد، تشكل عناصر حاسمة في حماية الأطفال من الانزلاق في دوامة الإدمان الرقمي.
إن ما يشهده العالم اليوم ليس مجرد نقاش تقني حول استخدام المنصات، بل هو صراع بين نموذجين متعارضين: نموذج اقتصادي يقوم على تعظيم الربح عبر جذب الانتباه، ونموذج إنساني يسعى إلى حماية الطفولة وضمان نمو سليم للأجيال القادمة. وبين هذين النموذجين، يصبح الزمن عنصرًا حاسمًا، إذ إن كل يوم يمر دون تدخل فعّال لا يعني فقط استمرار الوضع القائم، بل يعني تعميق آثاره وتوسيع نطاقها. ومن ثم، فإن التأخر في اتخاذ القرار لم يعد مجرد تردد، بل قد يتحول إلى كلفة اجتماعية ونفسية باهظة يصعب تداركها لاحقًا.



