سعيد بوطبسيل يكتب …القنيطرة: واقعة الاعتداء المروري تعكس تصاعد العنف على الطرق المغربية

ظاهرة تتجاوز السائقين المهنيين
تشكل حالات الاعتداء المروري وتبادل العنف والسب والقذف مع تبادل الإهانات واستخدام المنبهات بشكل عدواني على الطرق في المغرب ظاهرة متكررة وليست مقتصرة على جزء غير يسير من السائقين المهنيين، بل تكاد تكون شبه عامة بين مختلف المستخدمين للطريق. وقد برزت في القنيطرة واقعة سجلت بالفيديو وانتشرت على مواقع التواصل حيث اعتدى سائق حافلة على سائق شاحنة بعصا بعد خلاف بسيط في المنطقة الصناعية بأولاد بورحمة.
هذه الواقعة تكشف عن التوتر والعنف المستمر على الطرق، فضلاً عن العناد وعدم التسامح بين السائقين، وسلوكيات مثل استخدام المنبهات بشكل عدواني والسب المتبادل، في ظل ظهور أنشطة مرورية جديدة في الشوارع المغربية، كحافلات نقل المستخدمين والتوصيل عبر الدراجات النارية واستعمال كبير للدراجات النارية المحولة في التنقلات الفردية، ما يزيد من تداخل الحركية المرورية وضغطها على السائقين والمشاة على حد سواء.
خرق القانون وحدود الردع
ولا يقف الأمر عند حدود العنف اللفظي أو الجسدي، بل يتجاوزه إلى خرق واسع لقواعد السير، حيث أصبح احترام القانون في كثير من الحالات استثناءً بدل أن يكون قاعدة، في مقابل انتشار السرعة المفرطة وعدم احترام حق الأسبقية وتجاهل علامة “قف”، حيث أصبح احترامها من طرف عدد قليل من السائقين يخلق إشكالية للموجودين خلفهم، ما يدفع بعضهم إلى استخدام المنبه احتجاجاً على من التزم بتلك العلامة، وهو سلوك يعكس ضعف الانضباط المروري وتنامي ردود الفعل العدوانية بين السائقين.
وفي هذا السياق، ينص قانون السير المغربي على عقوبات مالية وإدارية في حق مخالفي قواعد السير، من بينها غرامات تخص السرعة المفرطة وعدم احترام حق الأسبقية وعدم التوقف عند علامة “قف”، إضافة إلى إمكانية سحب رخصة السياقة أو تسجيل نقط سلبية، وهي إجراءات تهدف إلى الحد من السلوكيات الخطرة، غير أن فعاليتها تبقى رهينة بمدى تطبيقها الصارم واستمراريتها.
كما تشير الإحصاءات الأخيرة إلى ارتفاع ملحوظ في حوادث السير والإصابات خلال عام 2025، حيث سجلت أكثر من 160 ألف حادث جسدي وارتفاع ملحوظ في الوفيات، ما يعكس أبعاداً هيكلية وسلوكية في آن واحد.
ورغم تشديد القوانين وتعزيز الترسانة الزجرية خلال السنوات الأخيرة، فإن ذلك لم ينجح بالقدر الكافي في ردع عدد من المخالفين، الذين يقودون في كثير من الأحيان بسلوك أقرب إلى غياب الوعي، حيث تطغى ردود الفعل الآنية والانفعالات على الالتزام بالقواعد واحترام الآخر، مما يقلل من الأثر الردعي للنصوص القانونية ويطرح إشكالاً حقيقياً في علاقتها بالسلوك اليومي للسائقين.
أزمة سلوك وثقافة مرورية
هذا التحول في السلوك لا يمكن فصله عن أزمة أعمق تتعلق بالثقافة المرورية، حيث يتم استبدال منطق احترام القانون واحترام السائقين فيما بينهم بمنطق المغالبة وفرض الأمر الواقع، ويغيب الإحساس بالمسؤولية الجماعية لفائدة سلوك فرداني يقوم على العناد وعدم التسامح والسعي إلى كسب الأفضلية بأي ثمن، في غياب كبير لأي وازع أخلاقي.
كما أن عدداً من الدراسات والتقارير الوطنية والدولية تؤكد أن العامل البشري يظل السبب الرئيسي في حوادث السير بالمغرب، من خلال السرعة المفرطة وعدم الانتباه وعدم احترام قواعد السير، وهو ما يتجلى بوضوح في كون التحسن الكبير الذي شهدته البنية التحتية الطرقية خلال السنوات الأخيرة وايضا تشديد القوانين لم ينعكس بشكل ملموس على تقليص عدد الحوادث، مما يعزز فرضية أن جوهر الإشكال سلوكي بالدرجة الأولى وليس تقنياً.
هذا الواقع يكشف عن مفارقة واضحة، حيث تتطور الطرق والتجهيزات، في مقابل استمرار نفس الأنماط السلوكية المشينة والخطرة، ما يجعل الطريق فضاءً للتوتر والصراع بدل أن يكون مجالاً للتنقل الآمن.
الحاجة إلى مقاربة شمولية
ويشير خبراء المرور إلى أن هذه السلوكيات لم تعد مجرد تصرفات فردية معزولة، بل تعبير عن نمط اجتماعي متنامٍ يعكس ضغوطاً نفسية واقتصادية، ما يستدعي مقاربة شمولية تجمع بين الزجر والتوعية وإعادة بناء الثقة في القانون.
تعتمد السلطات على المراقبة وتشديد الرقابة ووضع استراتيجيات وقائية، غير أن فعالية هذه الإجراءات تظل رهينة بمدى التزام السائقين أنفسهم، إذ يبقى تغيير السلوك الفردي هو المدخل الأساسي للحد من هذه الظاهرة التي باتت تطرح تحديات حقيقية أمام السلامة الطرقية والسياسات العمومية.
إن تصاعد الاعتداءات المرورية والعنف على الطرق يجعل من الضروري تعزيز العقوبات على المخالفين للنظام العام وقواعد السير لضمان سلامة الجميع، وجعل المخالفين عبرة لمن يخالف القانون. فالعنف الطرقي لا يمكن مواجهته بمجرد التوعية أو التذكير بالقوانين، بل يتطلب تطبيقا صارما للترسانة الزجرية ورفع مستوى الردع القانوني، مع مواصلة برامج التوعية والتدريب المروري لتغيير السلوك الفردي والجماعي، بما يضمن بيئة مرورية أكثر أماناً ويحافظ على السلامة العامة.



