وجهات نظر

ابراهيم ادريسي يكتب عن فقه الأولويات في العرائض الدستورية بالمغرب: بين جدل الساعة القانونية وضرورة تحيين قانون تحرير الأسعار

في لحظات التحول الكبرى التي تعيشها الدول، لا تُقاس نجاعة النقاش العمومي بكثرة المواضيع المطروحة، بل بقدرة الفاعلين على ترتيب الأولويات والتمييز بين ما هو جوهري وما هو ثانوي. فليست كل القضايا، مهما بدت مشروعة في ظاهرها، مؤهلة لتعبئة آليات دستورية ذات حمولة استراتيجية، وعلى رأسها آلية العرائض.

لقد جاء الدستور برؤية متقدمة للديمقراطية التشاركية، من خلال التنصيص في الفصل 15 على حق المواطنين في تقديم عرائض إلى السلطات العمومية، وفي الفصل 139 على نفس الحق على المستوى الترابي، بما يجعل من المواطن شريكاً في صناعة القرار العمومي. غير أن هذه الآلية، في جوهرها، لم تُشرّع لتكريس الجدل الظرفي أو تصريف الانفعالات الجماعية، بل لتأطير مطالب استراتيجية تمس عمق السياسات العمومية.

ومن هذا المنطلق، يطفو إلى السطح سؤال مركزي:

أيّهما أولى اليوم بتعبئة عريضة دستورية: الساعة القانونية أم تحيين قانون تحرير الأسعار؟

بكل وضوح وصرامة تحليلية، فإن الانشغال بعريضة حول الساعة القانونية، في الظرفية الراهنة، يعكس نوعاً من سوء ترتيب الأولويات، بل ويكاد يرقى إلى تبخيس الإمكانات الحقيقية التي تتيحها العرائض كآلية دستورية. فالمواطن المغربي اليوم لا يئن تحت وطأة التوقيت، بقدر ما يرزح تحت ضغط غلاء المعيشة، وارتفاع أسعار الوقود، وتضخم كلفة النقل والمواد الأساسية.

إن توجيه عريضة دستورية نحو موضوع الساعة القانونية، في ظل هذه التحديات، يطرح إشكالاً في النجاعة السياسية والقانونية، لأن العريضة بطبيعتها يجب أن تستهدف قضايا ذات أثر مباشر على الكرامة المعيشية والاستقرار الاجتماعي.

ومع ذلك، فإن هذا الطرح لا ينبغي أن يُفهم كرفض لموضوع الساعة القانونية في حد ذاته، بل العكس تماماً. فمقاربة هذا الملف تقتضي قدراً من التوازن والإنصاف.

فعلى المستوى الاقتصادي، يندرج اعتماد توقيت منسجم مع الشركاء الدوليين، خاصة الفضاء الأوروبي، ضمن رؤية جيوستراتيجية تهدف إلى:

تسهيل المبادلات التجارية؛

تحسين تنافسية المقاولات المغربية المصدّرة؛

جذب الاستثمارات الأجنبية التي تعتمد على التناسق الزمني في سلاسل الإنتاج؛

وهي اعتبارات تجعل من الساعة القانونية خياراً مرتبطاً بمنطق الاندماج الاقتصادي العالمي، لا مجرد قرار إداري معزول.

أما على المستوى القيمي، فإن استحضار البعد الشرعي المرتبط بحديث النبي ﷺ: “بورك لأمتي في بكورها”، يفتح النقاش على أهمية استثمار فترات الصباح في العمل والإنتاج، وهو ما ينسجم—من حيث المبدأ—مع فلسفة تنظيم الزمن بشكل يحقق النجاعة الاقتصادية والاجتماعية، دون أن يكون ذلك بالضرورة رهيناً بشكل التوقيت في حد ذاته.

غير أن كل هذه الاعتبارات، رغم وجاهتها، لا ترقى إلى مستوى الإلحاح الذي يفرضه ملف تحرير الأسعار، خاصة في شقه المتعلق بالمحروقات.

ففي ظل التحولات الجيوسياسية العالمية—من أزمات الطاقة إلى اضطراب سلاسل الإمداد—لم يعد مقبولاً ترك السوق الداخلية رهينة لتقلبات خارجية دون آليات ضبط فعالة. لقد أفرزت سياسة تحرير الأسعار واقعاً اقتصادياً يتسم بـ:

ارتفاع حاد في أسعار الوقود؛

انعكاس مباشر على تكاليف النقل؛

تضخم أسعار المواد الأساسية (خضر، فواكه، أسماك)؛

تآكل القدرة الشرائية للمواطنين؛

وهو ما يمس بشكل مباشر جوهر الحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي حرص الدستور على صونها.

من هنا، تبرز العريضة الرامية إلى تحيين قانون تحرير الأسعار كخيار دستوري أكثر نجاعة وواقعية، لأنها:

تستجيب لحاجيات آنية وملموسة؛

تندرج ضمن اختصاصات السلطات العمومية؛

تحمل بعداً جيوستراتيجياً مرتبطاً بالأمن الطاقي والسيادة الاقتصادية؛

كما أن الإطار القانوني المنظم للعرائض—خاصة القانون التنظيمي رقم 44.14—يتيح للمواطنين، عبر جمع 5000 توقيع على الأقل، توجيه هذه المطالب إلى رئيس الحكومة، أو محلياً إلى المجالس الترابية وفق القوانين التنظيمية 111.14 و112.14 و113.14، شريطة احترام المصلحة العامة ووضوح المطالب.

إن الرهان اليوم لا يكمن في إثارة كل القضايا دفعة واحدة، بل في اختيار المعارك الدستورية الذكية، تلك التي تلامس عمق الواقع الاجتماعي وتؤثر في مسار السياسات العمومية.

ختاماً،

يمكن القول إن العريضة حول الساعة القانونية، رغم مشروعيتها في النقاش العمومي، تظل خياراً ثانوياً في سلم الأولويات، بل وقد تُفهم كتعبير عن انزياح في توظيف آلية دستورية ذات قيمة استراتيجية. في المقابل، فإن الترافع من أجل تحيين قانون تحرير الأسعار يشكل مدخلاً حقيقياً لتفعيل الدستور بروحه، وليس فقط بنصه، ويجعل من المواطن فاعلاً واعياً لا مجرد متفاعل مع قضايا هامشية.

إنها لحظة وعي دستوري بامتياز:

إما عرائض تُغيّر الواقع… أو عرائض تُضيّع الفرصة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى