وجهات نظر

ابراهيم ادريسي يكتب عن ربيع مُستغل سياسياً: حين يتحول عيد الفطر إلى موسم لإحياء مصالح منسية عند السياسي الموسمي .

 

لم يأتِ عيد الفطر هذا العام كخاتمة روحانية لشهر الصيام فقط، بل كإشارة انطلاق مبكرة لموسم سياسي يعرف جيداً كيف يتغذى على المناسبات. قبل أن يدخل الربيع فلكياً، كانت بعض الوجوه قد سبقت الزمن، تتحرك بخفة بين الأحياء، تُحيي من العلاقات ما مات منذ سنوات، وتعيد وصل ما انقطع… لا بدافع الوفاء، بل بدافع الضرورة الانتخابية.

في الظاهر، يبدو المشهد إنسانياً دافئاً: زيارات، مصافحات، كلمات طيبة، وابتسامات عريضة. لكن خلف هذا الدفء المصطنع، تُدار حسابات دقيقة. من يجب زيارته؟ من يمكن استمالته؟ من ما زال يحتفظ بوزن انتخابي؟ إنها ليست عودة للناس… بل عودة إلى “الأصوات”.

السياسي الموسمي اقول السياسي الموسمي ليس السياسي المواطن ، لا يظهر حين تكون الحاجة إليه ملحّة، بل حين يحتاج هو إلى الآخرين. يغيب سنوات، ثم يعود فجأة بوجه جديد وخطاب مُعاد تدويره، وكأن الذاكرة الجماعية يمكن خداعها بسهولة. يراهن على النسيان، وعلى تعب المواطن، وعلى فكرة أن التكرار قد يصنع القبول.

عيد الفطر، في هذا السياق، يتحول من مناسبة للتسامح إلى أداة لإعادة التموضع. تُستغل العاطفة الجماعية، وتُستثمر اللحظات الصادقة، ليُبنى عليها خطاب انتخابي هشّ.

تُختزل العلاقة بين السياسي والمواطن في لحظة عابرة، تُلتقط لها صورة، ثم تُنسى تفاصيلها إلى حين موسم قادم.

ومع دخول الربيع، تتسارع الوتيرة. الأحزاب تستفيق فجأة، الأصوات ترتفع، والوعود تتكاثر بشكل يثير الشك أكثر مما يبعث على الأمل. الجميع يتحدث عن القرب، عن الإصلاح، عن المستقبل… لكن القليل فقط من يملك تاريخاً يشهد له، أو مصداقية تصمد خارج موسم الانتخابات.

المفارقة المؤلمة أن هذا المشهد يتكرر دون خجل. نفس الأساليب، نفس الوجوه، نفس الخطابات… فقط التواريخ تتغير. وكأن السياسة تحولت إلى طقس موسمي، يُمارس عند الحاجة ويُهمل عند المسؤولية.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بعيد الفطر ولا بالربيع… بل بثقافة سياسية اختارت أن ترى في المواطن فرصة، لا شريكاً. اختارت أن تعود إليه حين تحتاجه، لا حين يحتاجها.

وهنا فقط يتضح المعنى الحقيقي لهذا “الربيع”:

إنه ليس ربيعاً سياسياً… بل موسم هجرة جماعية نحو الناخب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى