تصاعد اختفاء الأطفال بالمغرب… جرس إنذار لا يحتمل التأجيل

بقلم: إبراهيم بيه – عضو المكتب التنفيذي بالهيئة الحركية لأطر التربية والتعليم بالمغرب
لم يعد خبر اختفاء طفل في المغرب مجرد منشور عابر على مواقع التواصل الاجتماعي، بل صار حدثًا يزرع القلق في البيوت، ويثقل صدور الآباء، ويحوّل ساحات المدارس والأحياء إلى فضاءات مشوبة بالحذر والترقب. صور الأطفال المتداولـة، ونداءات الاستغاثة التي تطلقها أسر مكلومة، لم تعد تفاصيل معزولة، بل مؤشرات مقلقة تستوجب وقفة وطنية حازمة.
إن اختفاء طفل واحد ليس حادثة فردية فحسب، بل هو جرح يصيب الضمير الجمعي. فالطفل ليس رقمًا في سجل مدني، ولا حالة في نشرة إخبارية؛ إنه مشروع مواطن، ورمز براءة، وركيزة مستقبل وطن بأكمله. وأي تهديد يمس سلامته هو تهديد مباشر لأمننا المجتمعي واستقرارنا النفسي.

تتداخل أسباب هذه الظاهرة بين عوامل اجتماعية وأسرية ورقمية. فالإهمال غير المقصود أحيانًا، وضعف المراقبة، وسهولة الاستدراج عبر الفضاء الرقمي أحيانًا أخرى، كلها عناصر تغذي المخاطر. لقد غيّرت التحولات الرقمية طبيعة التهديدات؛ فالهاتف الذكي الذي بين يدي الطفل قد يكون نافذته على المعرفة، لكنه قد يتحول كذلك إلى بوابة للاستدراج أو الابتزاز إن غابت المواكبة والوعي.
ولا يمكن، في هذا السياق، حصر الحل في المقاربة الأمنية فقط، رغم أهميتها القصوى. فالمسألة تتطلب مقاربة شمولية تتقاسم مسؤوليتها الأسرة، والمدرسة، والمجتمع المدني، ووسائل الإعلام، إلى جانب المؤسسات الأمنية والقضائية. إن التوعية المستمرة للأطفال بمخاطر الغرباء، وتعزيز ثقافة الحذر دون بث الخوف المرضي في نفوسهم، أصبحت ضرورة تربوية وأخلاقية. كما أن مواكبة الآباء لأبنائهم في استخدام الوسائل الرقمية لم تعد ترفًا، بل مسؤولية مباشرة لا تقبل الإهمال.
ومن موقعنا في الهيئة الحركية لأطر التربية والتعليم، نؤكد أن المؤسسة التعليمية مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بتعزيز برامج التربية على المواطنة الرقمية، وتوفير فضاءات للدعم النفسي والاجتماعي داخل المدارس، لتمكين الأطفال من التعبير عن مخاوفهم ومشكلاتهم قبل أن تتحول إلى مآسٍ.
كما أن تطوير آليات الإبلاغ السريع عن حالات الاختفاء، واعتماد وسائل تكنولوجية حديثة لتتبع الحالات في وقت قياسي، يشكلان عنصرين حاسمين في تقليص المخاطر. فالسرعة في التحرك قد تصنع الفرق بين النجاة والفاجعة.
إن حماية الطفولة ليست مسؤولية أسرية فحسب، بل قضية وطنية بامتياز. فالدولة التي تحمي أطفالها تحمي مستقبلها، والمجتمع الذي يتكاتف من أجل أضعف فئاته يبرهن على نضجه الإنساني والحضاري.
ختامًا، إن تصاعد ظاهرة اختفاء الأطفال بالمغرب يجب أن يكون لحظة وعي جماعي، لا لحظة ذعر أو انسياق وراء الإشاعات. المطلوب يقظة مسؤولة، وتضامن فعّال، وإرادة مشتركة تجعل من أمن أطفالنا أولوية قصوى.
أطفالنا أمانة في أعناقنا جميعًا… وحمايتهم واجب وطني لا يقبل التأجيل.



