على إيقاع الذاكرة والمصالح: هل تعيد الرباط والقاهرة رسم خرائط التوازن المغاربي؟

ابراهيم ادريسي
في تحول دبلوماسي لافت، أعلنت الرباط والقاهرة تأجيل القمة التي كانت مرتقبة هذا الأسبوع إلى أجل غير مسمى، في خطوة لم تُقرأ كبند بروتوكولي عابر، بل كإشارة سياسية ثقيلة الدلالات. فالعلاقات بين المغرب ومصر، الممتدة بجذور تاريخية وثقافية عميقة، تدخل اليوم منعطفاً يتجاوز المجاملات التقليدية نحو اختبار حقيقي لميزان المصالح ووضوح المواقف.
تدوينة أعادت فتح الأرشيف
الجدل تصاعد عقب تدوينة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أشاد فيها بعمق العلاقات مع الجزائر، مستحضراً محطات تاريخية تعود إلى ستينيات القرن الماضي، في إشارة فهمها البعض على أنها تذكير بسياق التعاون العسكري المصري الجزائري خلال حرب الرمال عام 1963.
ورغم أن الوقائع التاريخية لتلك المرحلة معروفة وموثقة، فإن إعادة استدعائها في هذا التوقيت تحديداً منحتها أبعاداً سياسية تتجاوز السرد التاريخي. فالخطاب في العلاقات الدولية لا يُقرأ بمعزل عن السياق؛ والكلمات، حين تصدر في لحظة إقليمية دقيقة، تتحول إلى مؤشرات اتجاه لا مجرد استعادة للذاكرة.
تقارب القاهرة والجزائر… ورسائل الرباط
يتزامن هذا الجدل مع تنامي التقارب بين الرئيسين عبد الفتاح السيسي وعبد المجيد تبون، وهو تقارب تحكمه اعتبارات الطاقة والتنسيق السياسي والأمني. غير أن الرباط تنظر إلى أي تموضع إقليمي جديد من زاوية تأثيره المحتمل على قضاياها السيادية، وفي مقدمتها ملف الصحراء المغربية.
في المقابل، تؤكد القاهرة في خطابها الرسمي أن علاقاتها مع الجزائر لا تستهدف أي طرف ثالث، وأن استحضارها لمحطات تاريخية يندرج ضمن سياق التأكيد على عمق التضامن العربي في مرحلة معينة. لكن في بيئة إقليمية مشحونة، تصبح الرمزية جزءاً من المعادلة، ويغدو التوقيت عاملاً حاسماً في تشكيل التأويلات.
مراعاة مغربية… ومراجعة محتملة
بعيداً عن الضجيج، ظلّ المغرب خلال السنوات الماضية يدير ملف علاقاته الإفريقية بتوازن دقيق. فقد ابتعد عن تعميق شراكات استراتيجية ثقيلة مع إثيوبيا، مراعاةً لحساسية القاهرة تجاه ملف سد النهضة، الذي تعتبره مصر قضية أمن قومي وجودي.
هذا التريث لم يكن غياباً للرؤية، بل تعبيراً عن تضامن هادئ، اختارت الرباط من خلاله ألا تُعقّد موقف شريك إقليمي محوري. غير أن منطق العلاقات الدولية لا يقوم على المجاملات المفتوحة زمنياً؛ فإذا لم يُقابل ضبط النفس بوضوح مماثل في القضايا الحيوية للطرف الآخر، يصبح من الطبيعي إعادة تقييم الأولويات.
الاقتصاد… وجه آخر للسيادة
إلى جانب البعد السياسي، يبرز الملف الاقتصادي كمساحة اختبار إضافية. فالنقاش داخل الأوساط الاقتصادية المغربية حول اختلال ميزان المبادلات، وآليات تفعيل أدوات الحماية التجارية، يعكس توجهاً متنامياً نحو تحصين السوق الوطنية في سياق دولي يميل إلى الحمائية وإعادة ترتيب سلاسل الإمداد ” تغريق السوق المغربية في إطار اتفاقية التبادل الحر بين مصر و المغرب بمصنوعات صينية “.
الدبلوماسية الاقتصادية هنا ليست تفصيلاً تقنياً، بل امتداد مباشر لفلسفة السيادة.
لا مجاملة على حساب السيادة
تأجيل القمة، واستدعاء الذاكرة التاريخية، وتقاطعات التحالفات الإقليمية، كلها عناصر تشير إلى لحظة إعادة تعريف في العلاقة بين الرباط والقاهرة. ليست لحظة قطيعة، بل لحظة وضوح.
فالمغرب، وهو يدير تموضعه في فضاء مغاربي وإفريقي متحوّل، قد يراعي، وقد يمنح الوقت مساحةً لاحتواء الالتباسات، لكنه لا يجامل على حساب مصالحه ولا يساوم على سيادته. الشراكات مرحّب بها، والتنسيق مطلوب، غير أن القاعدة التي تحكم السياسة الخارجية المغربية باتت أكثر صراحة: الاحترام المتبادل شرط الاستمرار، والمصالح الوطنية خط أحمر لا يُدار بمنطق الرماديات.
في زمن تتغير فيه خرائط النفوذ بسرعة، لم تعد الذاكرة وحدها تصنع التحالفات؛ ما يصنعها اليوم هو وضوح المواقف وصلابة الدفاع عن السيادة.



