معاكسة المغرب أو السقوط: تحليل جيو-سياسي للمنطق الجزائري بعد نهاية الأطروحة الانفصالية

ابراهيم ادريسي
لم تعد تحركات الجزائر في محيطها الإقليمي والدولي تُقرأ باعتبارها مجرد سعي طبيعي لنفوذ، بل كـمحاولات منظمة لإرباك صعود مغربي متدرج. فكلما راكم المغرب مكانة استراتيجية متقدمة في الأمن، والدبلوماسية، وإفريقيا، ظهرت دينامية جزائرية مضادة، لا تهدف إلى بناء بديل استراتيجي متماسك، بقدر ما تركز على تعطيل نجاحات الجار الغربي.
من زاوية جيو-سياسية، النظام الجزائري انتقل من منطق الدولة التي تخطط لمستقبلها إلى منطق السلطة التي تحتاج خصمًا دائمًا لإضفاء شرعية على بقائها. فـ“معاكسة المغرب” لم تعد خيارًا ظرفيًا، بل أصبحت عقيدة حكم وظيفتها إبقاء سردية “العدو الخارجي” حية لتبرير استمرار العسكر في السلطة.
أولًا: جوهر التحول – نهاية الأطروحة الانفصالية
الأمر الأساسي الذي يحدد سياق كل التحركات الجزائرية الحديثة هو أن الأطروحة الانفصالية استنفدت فعاليتها عمليًا. داخل مجلس الأمن، لم تعد الأطروحة التي تدعمها الجزائر والبوليساريو مركزية للنقاش السياسي، في حين تم تثبيت مبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية كحل سياسي واقعي وذي مصداقية.
هذا التحول لم يعد مجرد توازن لغوي في القرارات الدولية، بل تعبير عن اصطفاف دولي متزايد يرى في المقترح المغربي نهاية عملية لمسار النزاع الطويل، وانتقالًا من منطق التدبير إلى منطق الحسم السياسي التدريجي. عمليًا، فقدت الجزائر رهانها الرئيسي، ما دفعها للبحث عن أدوات بديلة لإرباك المغرب على المستوى الإقليمي والإفريقي.
ثانيًا: المغرب صاعد كفاعل جيو-استراتيجي عالمي
المغرب لم يعد مجرد شريك إقليمي مستقر، بل أصبح فاعلًا محوريًا على الساحتين الإقليمية والدولية. وتجسد هذا الاعتراف في خطوة صادمة للنظام الجزائري: اختيار المغرب كعضو مؤسس لمجلس الأمن الجديد تحت إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وكان أول دولة توقع على مراسيم التأسيس.
هذا الاختيار كان إشارة قوية لمكانة المغرب السياسية لدى الولايات المتحدة والعالم، واعتراف رسمي بدوره الاستراتيجي في الأمن والاستقرار الإقليمي وربطه بالقضايا الكبرى في إفريقيا وغرب المتوسط.
إلى جانب هذا، يعزز المغرب مكانته:
- تحالف طويل المدى مع واشنطن على ملفات الأمن والطاقة والهجرة.
- شراكات قوية مع الاتحاد الأوروبي ودول مؤثرة في إفريقيا.
- محور اقتصادي وأمني نشط مع الإمارات.
- دور قيادي في استقرار الساحل وغرب إفريقيا، ومكافحة الإرهاب.
- جيوسياسيًا، هذا الموقع يعطي المغرب مصداقية دولية قوية، ويضع الجزائر أمام حقيقة صادمة: كل محاولاتها لإبقاء المغرب في موقع “الخصم المحلي” لم تعد فعالة على المستوى الدولي، مما يدفعها للبحث عن أدوات بديلة لإرباك المغرب على المستوى الإقليمي والإفريقي.
ثالثًا: الجزائر – السياسة الخارجية كأداة بقاء داخلي
بعد انهيار الأطروحة الانفصالية، تحولت السياسة الخارجية الجزائرية إلى وظيفة داخلية بحتة، هدفها:
- الحفاظ على سردية العدو الخارجي.
- تبرير استمرار العسكر في السلطة.
- تشتيت الانتباه عن اختلالات اقتصادية واجتماعية هيكلية.
ولذلك، أصبحت معاكسة المغرب أداة استراتيجية شاملة تشمل:
- الدبلوماسية في الخليج وتركيا وأوروبا.
- الإعلام والإثارة الرمزية ضد المغرب.
- الرياضة والمسابقات القارية، خاصة كأس إفريقيا.
رابعًا: إفريقيا والملاعب – أدوات إرباك الرمزية
في إفريقيا، أصبح الهدف الجزائري منع المغرب من تحويل نجاحاته إلى رصيد مؤثر.
تحريض السينغال وبعض الدول الإفريقية ضد المغرب، محاولة التشويش على تنظيم كأس الأمم الإفريقية، واستثمار الهويات التاريخية أو الثقافية، كلها تدخل ضمن منطق الإرباك الرمزي بعد فقدان الرهان السياسي المباشر.
المغرب، من جانبه، يستثمر البطولة ليس فقط كحدث رياضي، بل كـأداة قوة ناعمة تعكس قدرة الدولة على التنظيم والاستقرار، وربط شمال إفريقيا بعمقها جنوب الصحراء.
بهذه الأدوات، يسعى النظام الجزائري لتعويض الخسارة الاستراتيجية الكبرى على مستوى مجلس الأمن والتحالفات الدولية، من خلال خلق عراقيل رمزية على الأرض.
خامسًا: الدروس الجيو-استراتيجية للمغرب
- تعزيز اليقظة الاستراتيجية:
- رصد كل تحركات الجزائر في الدبلوماسية، الإعلام، والساحة الإفريقية.
- حماية المكتسبات الدولية: مجلس الأمن والتحالفات الكبرى تمثل درعًا للمغرب.
- تطوير الإعلام الاستراتيجي: ربط الأحداث الرمزية (مثل الرياضة) بالمصالح الواقعية.
- اختيار التوقيت المناسب للرد: الصمت أحيانًا قوة، والفعل المخطط له في اللحظة المناسبة يزيد الفاعلية.
ختاما
ما يجري اليوم ليس مجرد توتر بين جارين، بل صراع بين نموذجين للدولة والسلطة:
نموذج المغرب: البناء والتحالفات، الاستقرار، الرؤية الاستراتيجية طويلة الأمد، والمصداقية الدولية.
نموذج الجزائر: الإرباك، الخصومة الرمزية، واستدامة العدو الوهمي لتبرير استمرار العسكر.
وبهذا المعنى، تصبح معاكسة المغرب شرط بقاء السلطة العسكرية في الجزائر، بينما المغرب يثبت أن قوة الدولة الحقيقية تُقاس بالقدرة على الإنتاج الاستراتيجي والاعتراف الدولي، لا بالخصومة المستمرة



