دوليات

حين فضحت المدرجات خطاب الإعلام: الواقع يهزم الدعاية في “كان” المغرب

 

منذ انطلاق كأس إفريقيا للأمم بالمغرب، وجد الإعلام الجزائري الرسمي نفسه أمام مأزق غير مسبوق: واقع ميداني صلب ينسف، بلا ضجيج، سنوات من الخطاب الدعائي القائم على التشويه والتضليل. واقع لم تصنعه بلاغات رسمية مغربية، ولا حملات ترويجية، بل نقله مواطنون جزائريون عاديون، بهواتفهم، وبشهاداتهم المباشرة، وهم يعبرون المدن المغربية ويعيشون تفاصيل التنظيم عن قرب.

اللافت في هذا المشهد أن الحقيقة لم تدخل الجزائر عبر القنوات الدبلوماسية أو الإعلامية، بل تسللت من بوابة التجربة الشخصية. جمهور جاء مشحونًا بصور نمطية جاهزة، فاكتشف على الأرض بلدًا مختلفًا عمّا صُوّر له. وبين ما تبثه الشاشات الرسمية، وما توثقه منصات التواصل الاجتماعي، انكشف التناقض الصارخ: خطاب في اتجاه، وواقع يمضي في اتجاه معاكس تمامًا.

ورغم هذا الانكشاف، استمر الإعلام الجزائري الرسمي في سياسة الإنكار، متصرفًا وكأن حذف الاسم يُلغي المكان، وكأن طمس العلم يُغيّب الدولة. تجنب ممنهج لذكر المغرب، تجاهل فجّ للملاعب، وعمليات بتر بصري لراية دولة عضو في “الكاف”، في سلوك لا يمتّ بصلة لأخلاقيات المهنة ولا لأبجديات الإعلام الرياضي. لم يعد الأمر موقفًا سياسيًا بقدر ما أصبح انعكاسًا لخوف عميق من صورة لا تخدم سردية مهترئة.

المفارقة الأكثر إحراجًا أن هذا التعتيم اللفظي اصطدم بحائط البث الدولي. فإشهارات الشركاء الرسميين للاتحاد الإفريقي – من “Morocco Now” إلى OCP وONCF والخطوط الملكية المغربية – حضرت بقوة على الشاشات، مفروضة بقواعد التنظيم، وكأن الواقع يفرض نفسه رغم محاولات الإخفاء. صورة أُبعدت بالكلمات، فعادت أقوى بالصورة.

الأخطر بالنسبة لمن هندس هذا الخطاب، أن السردية لم تسقط بفعل ردود مغربية، بل انهارت من الداخل. يوميات مشجعين جزائريين يتنقلون بأريحية، يعبرون عن ارتياحهم، ويوثقون تفاصيل بسيطة عن الاستقبال والتنظيم، كانت كافية لتقويض خطاب التهويل. عندها لم يعد السؤال: ماذا يقول الإعلام الرسمي؟ بل: لماذا لم يعد يُصدَّق؟

أما محاولات البحث عن زوايا مظلمة، أو “تركيب” تقارير قاتمة، فلم تزد إلا في تعرية أصحابها. فالحقيقة لا تحتاج إلى إضاءة مصطنعة ولا إلى إخراج متكلف؛ هي بسيطة، مباشرة، ومربكة لكل خطاب يقوم على الإنكار والتوجيه القسري.

ومن زاوية رياضية خالصة، يفرض الحضور الجماهيري المغربي في مباريات منتخبات كبرى، من بينها الجزائر ومصر، نقاشًا هادئًا ومسؤولًا. البطولة الرسمية تفترض تكافؤ الفرص، وتشجيعًا يحترم منطق المنافسة. تحويل المدرجات إلى أداة اصطفاف انتقائي قد يفرغ اللعبة من روحها، ويحوّل الجمهور من عنصر دعم إلى ورقة ضغط خارجة عن السياق الرياضي.

قد يُؤخذ على المغاربة، أحيانًا، فائض حسن النية وسرعة التجاوز. وهي خصلة نبيلة حين تقترن بالوعي، لكنها تتحول إلى نقطة ضعف حين تُقابل بعداء متكرر. المطلوب ليس الكراهية ولا ردّ الإساءة بالإساءة، بل ذاكرة يقظة، واحترام للذات، وإدراك أن التشجيع موقف مسؤول لا رد فعل عاطفي عابر.

خلاصة الأمر، أن ما شهدته هذه النسخة من كأس إفريقيا تجاوز حدود النتائج والترتيب. لقد كان انتصارًا للواقع على الخطاب المصنوع، وللتجربة الحية على الدعاية المعلّبة. إعلام يُشتغل عليه بالإكراه ينكشف عاجلًا أم آجلًا، والحقيقة حين تظهر لا تحتاج إلى دفاع طويل… يكفي أن تُترك لتتكلم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى