وجهات نظر

د. زكرياء لعروسي يكتب: الملك محمد السادس والشيخ محمد بن زايد.. صون المشتركات في زمن المتغيرات

تتأسس العلاقات بين الدول، في الغالب، على شبكة من المصالح والاعتبارات الاستراتيجية التي تحكمها موازين القوة ومتطلبات الأمن والمصالح الاستراتيجية وأحيانا مقتضيات التنمية والشراكات رابح-رابح، غير أن بعض العلاقات المتينة، التي تستند على أسس قيمية وأخلاقية، تكتسب مع مرور الزمن بعداً أعمق، حيث يتحول التقارب السياسي إلى تعبير عن رؤية مشتركة للعالم وللإنسان ولمعنى الفعل في المجال الدولي. لذلك يمكن قراءة اللقاء الذي جمع صاحب الجلالة الملك محمد السادس بأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، باعتباره تجلياً لعلاقة راكمت من العمق ما جعلها تستند على المشترك القيمي وتنتظم حول مفاهيم ذات حمولة سياسية وأخلاقية وحضارية في آن واحد: الأخوّة العميقة، والشراكة الاستراتيجية، والتعاون المثمر، والتضامن الفعال.
ومن المهم الإشارة في البداية إلى المكانة المرموقة التي يحظى بها صاحب الجلالة الملك محمد السادس وأخوه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان بين قادة العالم، والذين اقترن اسمهما بالحكمة ورجاحة التقدير وسعة الأفق الاستراتيجي. فقد استطاعا، بما يتحليان به من بصيرة نافذة وحكمة راسخة، أن يقودا مسارات تنموية طموحة، وأن يعززا حضور بلديهما كشريكين فاعلين في محيطهما العربي والإقليمي والدولي. كما جسّدا نموذجاً للقيادة التي تجمع بين الوفاء للثوابت والانفتاح على متطلبات العصر، وبين قوة الرؤية وحسن التدبير، بما أكسب مواقفهما وتوجهاتهما قدراً كبيراً من الاحترام والتقدير. وتجد العلاقات المغربية الإماراتية فيما يجمع القائدين من أخوة صادقة وتقدير متبادل وحرص مشترك على خدمة مصالح الشعبين الشقيقين أحد أهم أسباب رسوخها واستمراريتها، بما يجعل هذه العلاقة نموذجاً لما يمكن أن تثمره القيادة الحكيمة من تعاون بنّاء وشراكة متجددة ورؤية تستشرف المستقبل بثقة ومسؤولية.


في حديث العلاقات بين المملكة المغربية ودولة الإمارات العربية المتحدة، فإن المقاربة التي تختزلها في حدود المصالح المتبادلة أو في منطق التعاون الثنائي تبدو عاجزة عن الإحاطة بطبيعتها المركبة. ذلك أن هذه العلاقة تشكلت عبر الزمن ضمن مسار تراكمي امتزجت فيه الاعتبارات السياسية بالروابط القيمية الإنسانية، والتقديرات الاستراتيجية بالوشائج الأخوية، بما أفضى إلى بناء نموذج خاص من العلاقات الأخوية يقوم على القيم الإنسانية والرؤية المشتركة أكثر مما يقوم على الظرفية أو الالتقاء العابر للمصالح. ومن هنا تكتسب الإشارة في بلاغ الديوان الملكي إلى الروابط الأخوية العميقة بين قائدي البلدين دلالة تتجاوز بعدها الوصفي، لتكشف عن أحد المرتكزات المؤسسة لهذه العلاقة. فالأخوّة جزء من هندستها الداخلية، وعنصر من عناصر استقرارها وقدرتها على التكيف مع التحولات دون أن تفقد تماسكها أو اتجاهها.
ولعل أبرز ما يستوقف المتأمل في هذه العلاقة هو قدرتها على الجمع بين مقتضيات السياسة وأخلاقها؛ فالعالم المعاصر يشهد تزايد الحاجة إلى نماذج من الشراكات التي تمنح للقيم مكانتها داخل الفعل الدولي، وتجعل من الحكمة والوفاء قيما استراتيجية، ومن الأخوّة إطاراً لبناء التعاون. وتبدو العلاقة المغربية الإماراتية تجسيداً لفكرة مفادها أن الفاعلية السياسية تزداد قوة عندما تستند إلى رصيد أخلاقي، وأن المصالح تكتسب استدامتها عندما تُصاغ داخل منظومة من القيم المشتركة.
لئن كانت العلاقات الدولية في التصورات الكلاسيكية تُقاس بموازين القوة ومؤشرات المصلحة وحسابات النفوذ، فإن التحولات العميقة التي يشهدها العالم تفرض إعادة الاعتبار للبعد الأخلاقي باعتباره أحد الشروط المؤسسة لاستدامة الشراكات ونجاعة الفعل الدولي. فالقوة تتيح التأثير، بينما تمنح الأخلاق للسياسة معناها الإنساني وغايتها الحضارية. ومن ثم، تزداد قيمة العلاقات التي تجعل من خدمة الإنسان محوراً لرهاناتها، ومن تعزيز الاستقرار والتنمية والكرامة الإنسانية مقصداً لجهودها. لذلك تكتسب الأخوّة والتضامن والتعاون معاني تتجاوز حدود المفاهيم الدبلوماسية المتداولة، لتتحول إلى قيم منتجة للثقة المتبادلة، وموجهة للسلوك السياسي، ومؤطرة لفعل دولي يستحضر الإنسان باعتباره الغاية النهائية لكل تنمية، والمستفيد الأول من كل استقرار، والمقصد الأسمى لكل شراكة تتأسس على الحكمة والمسؤولية والوفاء.
لقد انشغلت النظريات المعاصرة للعلاقات الدولية بأسئلة القوة والردع والتنافس الجيوسياسي، لكن سؤالاً آخر يفرض نفسه بإلحاح في عالم تتكاثر فيه بؤر التوتر وتتسع فيه دوائر القلق المجتمعي: كيف يمكن تحويل القيم إلى مورد استراتيجي منتج للاستقرار؟ وكيف يمكن للوسطية والاعتدال أن ينتقلا من مجال الخطاب إلى مجال البناء المؤسسي وصناعة السلم المجتمعي؟ لعل التجربتين المغربية والإماراتية تقدمان جانباً من الجواب عن هذا السؤال؛ إذ جعلتا من تعزيز الاعتدال وترسيخ ثقافة التعايش والتسامح خياراً متصلاً بمشروع الدولة والمجتمع، ومن الاستثمار في الإنسان مدخلاً لحماية الأوطان من عوامل التفكك. ويغدو السلم المجتمعي ثمرة رؤية حضارية تعتبر الاعتدال منهجاً، والإنسان غاية كل سياسات التنمية والإصلاح.
ويكتسب اللقاء بين صاحب الجلالة الملك محمد السادس وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان بعداً يتجاوز إطار التواصل المعتاد بين القادة، ويعبر، في عمقه، عن استمرارية تقليد سياسي قوامه التشاور المنتظم حول القضايا الكبرى التي تشغل المجالين الإقليمي والدولي، استنادا إلى المشتركات القيمية، فالتباحث وتبادل الرأي بشأن مختلف التحديات التي تعرفها الساحة الدولية يعبران عن إدراك مشترك لطبيعة المرحلة التي يعيشها العالم؛ فالنظام الدولي يشهد تحولات متسارعة في موازين التأثير، وإعادة تموضع مستمرة للفاعلين، وتزايداً في ترابط الملفات الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية، الأمر الذي يجعل من التشاور بين الدول ذات الرؤية المتقاربة ضرورة تفرضها متطلبات الفهم المشترك قبل متطلبات الفعل المشترك.
وتكتسب الإشارة إلى منطقة الخليج والشرق الأوسط أهمية خاصة؛ فهذه المنطقة أصبحت فضاءً مركزياً لإنتاج التحولات الاستراتيجية التي تمتد آثارها إلى مختلف أنحاء العالم. وفيها تتقاطع رهانات الأمن والاستقرار، وتتشابك المصالح الاقتصادية الكبرى، وتتفاعل مشاريع التنمية مع اعتبارات التوازنات الجيوسياسية. وعندما يحرص قائدا المغرب والإمارات على تبادل الرأي بشأن القضايا المرتبطة بهذا الفضاء، فإن الأمر يعكس وعياً مشتركاً بأن المحافظة على الاستقرار الإقليمي في جوهرها مساهمة في حماية التوازنات الدولية ذاتها، بما يخدم استقرار الإنسان وأمنه والرقي به. كما يعكس إيماناً بأن الحكمة السياسية تقتضي مواكبة التحولات من داخلها، عبر القراءة المتبصرة لمآلاتها، واستشراف أفقها، الخادم لإنسانية الإنسان.
وفي قلب هذه الرؤية تبرز الشراكة الاستراتيجية باعتبارها المفهوم الناظم للعلاقة بين البلدين، لما تشكله من تعبير عن تقارب في إدراك التحديات، وتوافق في تصور الأولويات، وقدرة على بناء مسارات مشتركة للتعامل مع القضايا ذات الاهتمام المتبادل.. إنها انتقال بالعلاقة من مستوى التنسيق إلى مستوى الرؤية المشتركة، ولذلك فإن قيمتها تقاس بما تؤسسه من استمرارية في الفهم المشترك للبيئة الإقليمية والدولية، وبما تتيحه من إمكانات للتفاعل المستمر مع التحولات التي يعرفها العالم.
ومن اللافت أن هذه الشراكة تقترن في الخطاب ذاته بمفهومي التعاون المثمر والتضامن الفعال. وهما مفهومان يكتسبان أهمية خاصة لأنهما ينقلان العلاقة من دائرة المبادئ إلى دائرة الممارسة. فالتعاون المثمر يحيل إلى قدرة الشراكة على إنتاج نتائج ملموسة ومنافع متبادلة، ويجعل من التقارب السياسي رافعة للتنمية والتكامل والتقدم. أما التضامن الفعال فيرتقي بالعلاقة إلى مستوى أعلى من التفاعل مع الأحداث إلى تدبير المتغيرات، ويصبح التضامن فعلاً سياسياً ودبلوماسياً يترجم نفسه في المواقف والمبادرات والتنسيق المستمر. وبالتالي فإن التضامن يشكل تعبيراً عن شعور مشترك بالمصير، وعن وعي بأن قوة العلاقة تتجلى في قدرتها على تحويل القيم المشتركة إلى ممارسات مؤثرة في الواقع.
إن التأمل في هذه المفاهيم مجتمعة يقود إلى ملاحظة أساسية، وهي أن العلاقات المغربية الإماراتية تتأسس على منطق بناء المشترك الذي يفرز التكامل بين البعد القيمي والبعد الاستراتيجي. فالأخوّة تمنح العلاقة معناها الإنساني والحضاري، والشراكة تمنحها بعدها الاستراتيجي، والتعاون يمنحها مضمونها العملي، والتضامن يمنحها قدرتها على الاستمرار في مواجهة التحولات بمنطق الاتحاد والرؤية المشتركة. ولذلك تبدو هذه العلاقة أقرب إلى منظومة متكاملة منها إلى مجرد إطار للتعاون بين دولتين. وهي منظومة استطاعت أن تحافظ على توازنها لأنها جمعت بين الروابط والمصالح ضمن رؤية تجعل من التقارب السياسي تعبيراً عن عمق أخوي، خادم للتعاون لمشترك.
إن هذا اللقاء الأخوي بين قائدي البلدين تجسيد لمسار تاريخي من العلاقات بين الدولتين، ويندرج ضمن دينامية أوسع تؤكد أن المغرب والإمارات يواصلان بناء علاقتهما على أساس الوعي المشترك بطبيعة التحولات التي يعرفها العالم، وعلى أساس القناعة بأن التشاور والتعاون والتضامن تشكل أدوات ضرورية للإسهام في استقرار المحيط الإقليمي وتعزيز فرص التنمية والازدهار. وفي ظل عالم يتجه نحو مزيد من الترابط والتعقيد، تبدو هذه العلاقة مؤهلة لمزيد من العمق والاتساع، لأنها تستند إلى أسس تجمع بين رسوخ الأخوّة ووضوح الرؤية وحكمة القيادة. ومن ثم فإن مستقبل العلاقات تشكل أفقاً مفتوحاً لمراكمة مزيد من الشراكة والتنسيق والتكامل، بما يعزز مكانة البلدين كفاعلين يسهمان في صناعة الاستقرار والتأكيد على أن القيم المشتركة قادرة على تجاوز كل العقبات والتحديات الجيواستراتيجية.

د. زكرياء لعروسي
باحث في العلاقات الدولية والعلوم السياسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى