وجهات نظر

أيت الحنا يكتب : صناعة الخلف… مسؤولية غائبة تهدد مستقبل الأحزاب السياسية

لا تُقاس قيمة القادة السياسيين بطول مسيرتهم النضالية أو بعدد المسؤوليات التي تقلدوها، بقدر ما تُقاس بقدرتهم على بناء أجيال جديدة قادرة على حمل المشروع السياسي من بعدهم. فالتجربة الحزبية ليست ملكية خاصة يحتكرها الأفراد، بل هي رصيد تنظيمي وسياسي ينبغي أن يُنقل باستمرار إلى المناضلين، حتى تظل الأحزاب قادرة على التجدد والاستمرار ومواكبة التحولات.

غير أن المتتبع للمشهد الحزبي يلاحظ أن عددا من القيادات ما زالت تتعامل مع الخبرة السياسية باعتبارها امتيازاً شخصياً، لا رأسمالا جماعيا يجب تقاسمه. فبدل أن تتحول إلى مدارس سياسية تُخرج قيادات جديدة، وتؤطر الكفاءات الصاعدة، وتفتح أمامها أبواب المسؤولية، تفضل الاحتفاظ بالمواقع والنفوذ، وهو ما يحد من تجديد النخب ويؤخر بروز وجوه قادرة على قيادة المرحلة المقبلة.

ولا تتوقف آثار هذا السلوك عند تعطيل التداول على المسؤوليات الحزبية، بل تمتد إلى مستقبل التنظيمات نفسها. فعندما يتقدم بعض القادة في السن، أو يقررون الاعتزال، أو يغادرون الساحة السياسية لأي سبب، تجد الأحزاب نفسها أمام فراغ تنظيمي وسياسي يصعب ملؤه، لأن إعداد الخلف لم يكن جزءا من ثقافتها التنظيمية.

إن الحزب الذي يبني قوته على الأشخاص بدل المؤسسات، ويُراهن على الزعامات أكثر من رهانه على الكفاءات، يصبح أكثر عرضة للارتباك والانقسام عند أول اختبار. فالأحزاب القوية هي تلك التي تُنتج قيادات باستمرار، ولا تجعل مصيرها مرتبطا بشخص واحد مهما كانت مكانته أو تاريخه.

ولا يقتصر غياب صناعة الخلف على المناصب القيادية داخل الأحزاب، بل يمتد أيضاً إلى تدبير الترشيحات للاستحقاقات الانتخابية. ففي كثير من الدوائر الانتخابية، سواء في المدن أو القرى، اعتاد المواطنون رؤية الأسماء نفسها تتصدر لوائح الترشيح للانتخابات الجماعية والجهوية والتشريعية لسنوات طويلة، دون أن تعمل الأحزاب على إعداد خلف قادر على حمل المشعل. فبعض الدوائر أصبحت مرتبطة بأشخاص أكثر من ارتباطها بالحزب، حتى باتت هذه المقاعد الانتخابية تُعامل وكأنها ملكية سياسية خاصة، لا مجال لتداولها أو فتحها أمام كفاءات جديدة أثبتت حضورها داخل التنظيمات الحزبية.

إن صناعة الخلف لا تعني فقط تكوين قيادات مركزية، بل تعني أيضاً إعداد مرشحين أكفاء في كل جماعة، وكل دائرة انتخابية، وكل إقليم وجهة، سواء في الوسط الحضري أو القروي. فالحزب الذي لا يصنع مرشحي الغد، سيجد نفسه عاجزا عن تعويض مرشحي الأمس، وسيفقد تدريجيا حضوره وثقة الناخبين.

وقد أثبتت التجارب الديمقراطية الناجحة أن القائد الحقيقي لا يخشى بروز قيادات جديدة، ولا ينظر إلى الكفاءات الصاعدة باعتبارها منافسا له، بل يعتبرها امتدادا لمسيرته وضمانا لاستمرار المشروع الذي ناضل من أجله. فالزعامة الحقيقية تُقاس بما يتركه صاحبها من رجال ونساء قادرين على مواصلة المسيرة، لا بعدد السنوات التي ظل فيها متشبثا بالموقع.

واليوم، تبدو الأحزاب السياسية مطالبة أكثر من أي وقت مضى بترسيخ ثقافة التأطير والتكوين، واعتماد مبدأ التداول على المسؤوليات، وفتح المجال أمام الشباب والنساء والكفاءات لتحمل المسؤولية التنظيمية والانتخابية، بعيدا عن منطق احتكار المواقع أو توريثها داخل دوائر ضيقة. فالتجديد ليس شعارا انتخابيا، بل شرط أساسي لاستمرار الأحزاب وتجددها.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن تطرحه كل القيادات الحزبية على نفسها: ماذا سنترك بعد انتهاء مسيرتنا السياسية؟ هل سنترك أحزابا تمتلك قيادات ومرشحين جاهزين لحمل المسؤولية في كل المدن والقرى والجهات، أم سنترك فراغا يكشف أن التنظيم كان قائما على الأشخاص لا على المؤسسات؟ إن التاريخ السياسي لا يخلد من احتكر التجربة أو تشبث بالمواقع، بل يخلد من صنع الخلف، ونقل الخبرة، وأسس لثقافة الاستمرارية، لأن الأحزاب القوية تبنى بالمؤسسات والكفاءات، بينما يرحل الأشخاص وتبقى الأفكار والتنظيمات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى