
ابراهيم ادريسي
وجدة على عتبة جديدة ديمغرافياً
تجاوز عدد سكان مدينة وجدة عتبة 500.000 نسمة حسب الاحصاء الاخير للسكان ، وهو معطى ديمغرافي ذو دلالات سياسية وقانونية عميقة. فالمدن الكبرى التي تخطت هذا الرقم غالباً ما أُعيد النظر في تدبيرها الترابي والانتخابي، عبر تقسيمها إلى مقاطعات على مستوى التدبير الجماعي، أو إلى دوائر انتخابية متعددة على مستوى الاستحقاقات التشريعية. وهو ما يجعل السؤال مطروحاً بحدة: هل تدخل وجدة هذه الدينامية في الأفق القريب؟
الإطار القانوني المنظم
1. بالنسبة للانتخابات الجماعية:
ينص القانون التنظيمي رقم 59.11 على أن الجماعات الكبرى يمكن أن تُقسم إلى مقاطعات، ويُنتخب أعضاء مجالسها على أساس لوائح نسبية داخل كل مقاطعة.
هذا النموذج مطبق فعلياً في مدن مثل الدار البيضاء، الرباط، طنجة، مراكش، فاس، وسلا، حيث أفرز نظام المقاطعات تمثيلية أكثر محلية، لكنه في الوقت نفسه زاد من تعقيد المشهد الانتخابي.
2. بالنسبة للانتخابات التشريعية:
ينظمها القانون التنظيمي رقم 27.11، الذي يسمح للحكومة، عبر مراسيم، بإعادة النظر في التقطيع الانتخابي وفق اعتبارات ديمغرافية وجغرافية.
حالياً، تُعتبر عمالة وجدة أنكاد دائرة انتخابية واحدة تمنح 4 مقاعد بمجلس النواب. لكن مع التوسع الديمغرافي، يمكن التفكير في تقسيمها إلى دائرتين أو أكثر، لضمان التوازن العددي بين الناخبين عبر مختلف الأقاليم.
السيناريوهات المحتملة لوجدة
استمرار الوضع الحالي: تبقى وجدة دائرة انتخابية واحدة تمنح 4 مقاعد. وهذا يحافظ على طابع المواجهة المباشرة بين المرشحين الكبار، ويُبقي المنافسة شديدة داخل نفس الحقل.
تقسيم إلى دائرتين: قد تحصل كل دائرة على مقعدين، وهو ما سيقلل من حدة المواجهات المباشرة بين الأسماء البارزة، ويمنح الأحزاب مرونة أكبر في توزيع مرشحيها.
تقسيم إلى أربع دوائر: وهو سيناريو أقل ترجيحاً لكنه ممكن قانونياً، وسيمنح مقعداً واحداً لكل دائرة، ما سيغيّر بشكل جذري قواعد اللعبة الانتخابية، ويفتح الباب أمام صعود وجوه جديدة.
الآثار السياسية المتوقعة
على الأحزاب: ستُضطر إلى إعادة ترتيب استراتيجياتها، إذ أن تقليص حجم الدوائر يجعل من الخطاب المحلي والقدرة على القرب من المواطنين عنصراً حاسماً.
على المنافسة: قد يضعف مناصفة بين المرشحين التقليديين الذين اعتادوا مواجهة مباشرة في دائرة موحدة، مما يفتح المجال أمام تعدد ممثلين جدد.
على الناخبين: النظام الجديد، إن طُبق، قد يقرب الممثلين من الساكنة أكثر، لكنه قد يشتت أيضاً أصوات الكتل الناخبة الكبرى، ويُضعف فرص هيمنة حزب واحد على مجمل مقاعد وجدة.
خاتمة
إن تجاوز ساكنة وجدة حاجز نصف مليون نسمة يُدخلها لا محالة في دائرة المدن الكبرى التي تطرح على المشرّع والحكومة سؤال التقطيع الانتخابي. فإذا كان نظام المقاطعات شبه مؤكد في الانتخابات الجماعية المقبلة انسجاماً مع مقتضيات القانون 59.11، فإن المسألة التشريعية تظل رهينة بقرار سياسي وتنظيمي، قد يُبقي على النظام الحالي أو يُدخل وجدة في مرحلة جديدة عبر تقسيم دائرتها البرلمانية. وفي كلتا الحالتين، الأكيد أن أي تغيير قادم سيعيد تشكيل ملامح المنافسة السياسية بالمدينة، وسيضع الأحزاب أمام تحديات جديدة في تدبير حضورها وخطابها داخل العاصمة الشرقية للمملكة.





