مجتمع

قانون المحاماة يدخل حيز التنفيذ.. نهاية أربعة أشهر من الشلل أم بداية مواجهة جديدة؟

 

بعد أربعة أشهر من الاحتجاج والتوتر وتعطيل مصالح المتقاضين، أُسدل الستار رسمياً، يوم 20 غشت، على واحدة من أطول أزمات مهنة المحاماة في المغرب، بعدما نُشر القانون الجديد المنظم للمهنة بالجريدة الرسمية ودخل حيز التنفيذ، ليضع الدولة وهيئات المحامين أمام واقع قانوني جديد لا يبدو أن المعركة بشأنه قد انتهت فصولها بعد.

فصدور النص التشريعي، مرفقاً بالظهير الشريف القاضي بتنفيذه، أنهى عملياً مرحلة الانتظار والشد والجذب التي طبعت العلاقة بين وزارة العدل وجمعية هيئات المحامين بالمغرب، في وقت كانت فيه الأخيرة تراهن على هامش زمني يسمح بمواصلة الضغط إلى حين عقد اجتماعها المرتقب في الخامس من شتنبر المقبل.

غير أن النشر السريع للقانون في الجريدة الرسمية قلب حسابات المرحلة، ونقل المواجهة من معركة ترمي إلى عرقلة صدور النص إلى معركة جديدة عنوانها: كيف ستتعامل الهيئات المهنية مع قانون أصبح نافذاً وملزماً؟

الأزمة، التي امتدت لنحو أربعة أشهر، لم تكن مجرد خلاف مهني عابر. فقد شل التوقف عن العمل جزءاً مهماً من حركة المحاكم، وتعطلت ملفات عدد من المتقاضين، وارتفع منسوب القلق لدى المعتقلين وأسرهم، فيما واصلت هيئات المحامين التعبير عن رفضها لما اعتبرته مساساً باستقلالية الدفاع وضماناته الدستورية وحقوق المتقاضين.

وفي خضم هذا الصراع، برزت أيضاً مواقف متباينة داخل الجسم المهني، بين تيار يرى ضرورة مواصلة الضغط والتصعيد، وآخر بدأ يطرح سؤال الكلفة التي بات يتحملها المحامون والمتقاضون والمرفق القضائي جراء استمرار التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية وتعليق المساعدة القضائية.

وقد اختارت جمعية هيئات المحامين بالمغرب، رغم دخول القانون حيز التنفيذ، تثبيت موقفها الاحتجاجي، معتبرة أن طريقة تدبير الملف افتقدت، بحسب موقفها، إلى المقاربة التشاركية المطلوبة، وأن الأمر يتعلق بنص يمس جوهر استقلالية الدفاع وحصانة المحامي.

لكن دخول القانون مرحلة التنفيذ غيّر طبيعة المعركة بشكل جذري. فالمقتضيات الجديدة أصبحت واقعاً تشريعياً أمام المحاكم، ولم يعد النقاش منصباً فقط على إمكانية صدور القانون، بل أصبح مرتبطاً بكيفية تطبيقه وتأويل مقتضياته والتعامل مع آثاره العملية.

ويحمل القانون الجديد جملة من المقتضيات التي تعيد ترتيب عدد من جوانب مهنة المحاماة، من بينها شروط الولوج والتكوين والتدريب، وتعزيز آليات مراقبة الممارسة المهنية، وإعادة تنظيم المساطر التأديبية، إلى جانب تأطير أكبر لعمل المحامين داخل الشركات المدنية المهنية، وتشديد القواعد المتعلقة بعلاقة المحامي بموكليه وودائعهم، فضلاً عن مقتضيات مرتبطة بالرقمنة والتعامل مع المنصات الإلكترونية التابعة لوزارة العدل.

وهكذا، فإن انتهاء المواجهة التشريعية لا يعني بالضرورة انتهاء الأزمة المهنية. فالمعركة انتقلت ببساطة إلى مرحلة أخرى، عنوانها هذه المرة التنزيل والتطبيق والتأقلم مع مقتضيات قانون أصبح نافذاً.

كما أن آثار الأشهر الأربعة الماضية ستظل حاضرة داخل المحاكم، في ظل تراكم الملفات وتأخر عدد من الإجراءات واستمرار الضغط على المرفق القضائي، وهو ما يضع الجميع أمام تحد جديد: كيف يمكن إعادة عجلة العدالة إلى سرعتها الطبيعية دون أن يتحول انتهاء الاحتجاج إلى بداية أزمة أخرى؟

أما الخلافات التي رافقت مسار القانون، سواء بشأن طريقة إحالته أو المواقف التي صدرت خلال مراحل مناقشته، أو بشأن تعاطي المؤسسات الدستورية والتشريعية معه، فمن المرجح أن تبقى جزءاً من الذاكرة السياسية والمهنية لهذه المرحلة.

لقد دخل قانون مهنة المحاماة حيز التنفيذ، وانتهى فصل من أطول فصول الصدام بين الدولة والمهنيين، لكن السؤال الحقيقي لم يعد: هل سيصدر القانون؟ بل: كيف سيُطبق، وكيف ستتعايش معه هيئة الدفاع، وهل تستطيع العدالة المغربية تجاوز آثار أربعة أشهر من الشلل؟

الستار أُسدل على معركة القانون… لكن فصول المواجهة حول تطبيقه قد تكون قد بدأت للتو.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى