انتخابات 2026 بالمغرب.. من يربح حرب “الخوارزميات” يقترب من صناديق الاقتراع تشريعات صارمة تضبط الإعلام الرقمي وتحاصر الأخبار الزائفة

ابراهيم ادريسي
مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية والجماعية المرتقبة في شتنبر 2026، يدخل المغرب مرحلة سياسية وإعلامية جديدة عنوانها الأبرز: تقنين الفضاء الرقمي وتأمين نزاهة الانتخابات في عصر الذكاء الاصطناعي والتأثير الإلكتروني.
فبعد سنوات تحوّلت فيها منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة موازية للصراع السياسي، ومجال مفتوح لصناعة الرأي العام وتوجيه المزاج الانتخابي، اتجه المشرّع المغربي إلى إعادة رسم قواعد اللعبة الانتخابية رقمياً، عبر ترسانة قانونية وتنظيمية غير مسبوقة تستهدف ضبط الحملات الرقمية، ومحاصرة التضليل الإلكتروني، وتحميل الصحافة والمنصات مسؤوليات قانونية مباشرة.
ولم تعد المعركة الانتخابية تُدار فقط عبر التجمعات والخطب والبرامج الحزبية، بل أصبحت تُخاض أيضاً عبر “الخوارزميات”، والإعلانات الممولة، والفيديوهات القصيرة، والمحتوى الفيروسي الذي قد يصنع شعبية مرشح أو يدمّر صورة منافسه خلال ساعات قليلة.
قانون 53.25.. نهاية “الفوضى الرقمية” في الانتخابات؟
يشكّل القانون التنظيمي رقم 53.25 أحد أبرز التحولات القانونية التي ستطبع انتخابات 2026، بعدما وسّع نطاق التجريم ليشمل ممارسات رقمية كانت إلى وقت قريب تتحرك في منطقة رمادية قانونياً.
تجريم الفبركة الرقمية باستخدام الذكاء الاصطناعي
لأول مرة، يضع القانون المغربي قيوداً واضحة على استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والفبركة الرقمية خلال الحملات الانتخابية، بعدما أصبحت الفيديوهات المفبركة والتسجيلات الصوتية المزيفة أدوات خطيرة للتأثير على الناخبين وتشويه الخصوم السياسيين.
وبموجب المقتضيات الجديدة، أصبح ممنوعاً:
تركيب تصريحات وهمية على لسان مرشحين؛
تعديل الصور والفيديوهات بشكل مضلل؛
إنتاج محتوى انتخابي زائف باستخدام الذكاء الاصطناعي؛
نشر تسجيلات مفبركة تستهدف التأثير على اختيارات الناخبين.
ويعكس هذا التوجه إدراكاً رسمياً متزايداً بأن المعارك الانتخابية المقبلة لن تكون فقط سياسية، بل أيضاً تكنولوجية ومعلوماتية.
الأخبار الزائفة.. من “حرية تعبير” إلى مسؤولية جنائية
التشدد الجديد لم يقف عند حدود الفبركة الرقمية، بل امتد ليشمل الأخبار الزائفة والتشهير الإلكتروني، خاصة تلك المرتبطة بالمترشحين والأحزاب والمسار الانتخابي.
وبات القانون يعاقب على:
نشر أو إعادة نشر معلومات كاذبة تمس بنزاهة الانتخابات؛
تداول وثائق أو معطيات مزورة؛
الادعاءات غير المثبتة التي تستهدف التأثير على الرأي العام؛
الحملات الرقمية القائمة على التشهير أو التحريض.
وفي هذا السياق، لم يعد بالإمكان الاحتماء المطلق بشعار “حرية التعبير”، خصوصاً عندما يتحول المحتوى الرقمي إلى وسيلة للتضليل أو التلاعب الجماعي بالناخبين.
الإعلانات السياسية الممولة تحت المجهر
ضمن أبرز التحولات المنتظرة في انتخابات 2026، تشديد الرقابة على الإعلانات السياسية الممولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بعدما أصبحت هذه المنصات الفاعل الأخطر في توجيه المزاج الانتخابي.
منع التمويل الخارجي للحملات الرقمية
السلطات المغربية تتجه نحو تضييق الخناق على الإعلانات السياسية الممولة عبر:
فيسبوك؛
إنستغرام؛
تيك توك؛
يوتيوب؛
منصة X.
خصوصاً عندما يكون التمويل قادماً من جهات خارجية أو عبر وسطاء غير مصرح لهم قانونياً.
ويهدف هذا التوجه إلى حماية “السيادة الانتخابية” ومنع أي تأثير مالي أو دعائي أجنبي على الناخب المغربي.
الفرق بين “النشر العادي” و”الإشهار الممول”
المستجد القانوني الجديد ميّز بوضوح بين:
النشر العادي للمحتوى السياسي عبر الحسابات الرسمية والشخصية؛
والإعلانات الممولة (Sponsored Posts) التي أصبحت خاضعة لمراقبة صارمة وربما لتقييدات قانونية ومالية دقيقة.
وهذا يعني أن الحملات الرقمية لم تعد فضاءً حراً بالكامل، بل أصبحت جزءاً من المنظومة الانتخابية الخاضعة للتقنين والمحاسبة.
لأول مرة.. إدراج الحملات الرقمية ضمن المصاريف الانتخابية
في تحول بالغ الدلالة، قررت السلطات إدخال النفقات الرقمية ضمن سقف المصاريف الانتخابية الرسمية، ما يعني أن الإنفاق على العالم الافتراضي سيُعامل قانونياً مثل الإنفاق الميداني التقليدي.
وتشمل النفقات الخاضعة للمراقبة:
إدارة الحملات الإعلانية على مواقع التواصل؛
إنتاج الفيديوهات الدعائية؛
الترويج الممول للمحتوى السياسي؛
التعاقد مع المؤثرين ووكالات التسويق الرقمي.
ويهدف هذا الإجراء إلى:
تعزيز الشفافية المالية؛
الحد من “المال الرقمي الأسود”؛
ضمان تكافؤ الفرص بين الأحزاب؛
مراقبة مصادر تمويل الحملات الإلكترونية.
ومن المرتقب أن تخضع هذه المصاريف لرقابة مؤسساتية دقيقة، خاصة من طرف المجلس الأعلى للحسابات والسلطات الانتخابية المختصة.
الصحافة الإلكترونية أمام اختبار مهني صعب
التحولات الجديدة لا تستهدف الأحزاب والمرشحين فقط، بل تمتد أيضاً إلى الصحافة الإلكترونية ووسائل الإعلام التي ستجد نفسها أمام مسؤوليات قانونية ومهنية أكثر صرامة خلال الحملة الانتخابية.
استطلاعات الرأي تحت الرقابة
القوانين الجديدة تفرض شروطاً دقيقة على نشر استطلاعات الرأي، من بينها:
الكشف عن الجهة المنجزة؛
توضيح المنهجية العلمية المعتمدة؛
احترام الآجال القانونية للنشر.
في خطوة تهدف إلى الحد من استطلاعات “التوجيه السياسي” أو تلك التي تُستخدم للتأثير النفسي على الناخبين.
ممنوع التحريض والانحياز الفج
كما تمنع النصوص الجديدة:
خطابات الكراهية والتحريض؛
المواد الدعائية غير القانونية؛
الانحياز الإعلامي السافر لطرف سياسي معين دون احترام التوازن المهني.
ما يعني أن الصحافة الإلكترونية ستكون مطالبة بالموازنة الدقيقة بين حرية التعبير والمسؤولية القانونية.
إعادة هيكلة المجلس الوطني للصحافة
ضمن الاستعدادات المؤسساتية للانتخابات المقبلة، صادق البرلمان خلال ماي 2026 على إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، بهدف تعزيز صلاحياته في:
مراقبة أخلاقيات المهنة؛
معالجة الشكايات المرتبطة بالمحتوى الإعلامي؛
تأطير الإعلام الرقمي خلال الحملات الانتخابية.
ويُنتظر أن يلعب المجلس دوراً محورياً في تتبع التجاوزات الرقمية والإعلامية خلال الاستحقاقات المقبلة.
انتخابات 2026.. من يربح معركة “الخوارزميات”؟
تكشف هذه الإصلاحات أن المغرب يتجه نحو نموذج انتخابي جديد، تُدار فيه الديمقراطية بمنطق رقمي أكثر صرامة، حيث أصبحت:
المنصات الاجتماعية فضاءات مراقبة قانونياً؛
الصحافة الإلكترونية تحت المساءلة المباشرة؛
والإعلانات الرقمية جزءاً من الرقابة المالية والسياسية.
وبينما ترى الدولة أن هذه الإجراءات ضرورية لحماية نزاهة الاقتراع من التضليل والفوضى الرقمية، يطرح مراقبون أسئلة موازية حول كيفية التوفيق بين حماية العملية الديمقراطية وضمان حرية التعبير وعدم توسيع هامش التأويل القانوني.
لكن المؤكد أن انتخابات شتنبر 2026 لن تشبه سابقاتها، لأن المعركة لم تعد فقط على الأرض وفي صناديق الاقتراع، بل أيضاً على الشاشات… وفي قلب “الخوارزميات” التي أصبحت تصنع السياسة الحديثة بقدر ما تنقلها.



