سياسة

ارتفاع المشاركة في الانتخابات الجزئية يعيد سؤال التمثيلية: أحياء بلا ممثلين ومجالس لا تعرف من تمثل؟

ابراهيم ادريسي

 

 

ارتفاع نسب المشاركة في الانتخابات الجزئية الأخيرة لا يمكن اعتباره مجرد رقم انتخابي عابر، بل مؤشر سياسي يعيد النقاش حول طبيعة نمط الاقتراع ومدى قدرته على إنتاج تمثيلية حقيقية داخل المجالس المنتخبة.

فاللافت اليوم أن عدداً من الأحياء، رغم كثافتها السكانية وحجم مشاكلها اليومية، لا تملك أي ممثل حقيقي داخل المجالس المنتخبة، ما يطرح سؤالاً مشروعاً:
من يدافع عن مصالح هذه الأحياء؟ ومن ينقل مشاغل ساكنتها إلى مواقع القرار؟

لقد ساهم نمط الاقتراع الحالي، القائم على اللوائح، في إضعاف العلاقة المباشرة بين المنتخب والمواطن، حتى أصبح ترتيب المرشح داخل اللائحة أهم أحياناً من حضوره وسط الساكنة.

فالمرشحون الأوائل هم من يضمنون الفوز غالباً بحكم الحسابات الحزبية، بينما يُدفع بممثلي الأحياء الحقيقيين إلى آخر اللوائح فقط لتكميل المشهد الانتخابي، رغم قربهم من المواطنين ومعرفتهم الفعلية بمشاكلهم.

وهنا تكمن إحدى أبرز اختلالات نظام الاقتراع الحالي:
الناخب قد يمنح ثقته لابن حيه، لكن اللائحة قد تُسقطه مسبقاً، وتمنح المقعد لمرشح لا تربطه بالحي سوى حملة انتخابية عابرة.

في المقابل، أظهرت الانتخابات الجزئية الأخيرة أن المواطن يعود بقوة إلى صناديق الاقتراع حين يشعر أن صوته قد يصنع الفارق، وحين تستعيد الانتخابات طابعها المحلي القريب من الناس، حيث تلعب روابط الجوار والانتماء الاجتماعي دوراً في رفع نسبة المشاركة والتعبئة.

لهذا عاد النقاش حول جدوى العودة إلى نظام الدوائر الانتخابية الفردية، باعتباره أكثر قدرة على ضمان تمثيلية متوازنة لجميع الأحياء، ومنح كل منطقة فرصة حقيقية لإفراز ممثلها الطبيعي داخل المجالس المنتخبة و كذلك رفع نسب المشاركة في التصويت بشكل تلقائي.

فالتمثيلية الحقيقية لا تُقاس بعدد المقاعد فقط، بل بقدرة كل حي على إيصال صوته إلى مؤسسات القرار، حتى لا تتحول بعض الأحياء إلى مجرد خزّان انتخابي يُستدعى يوم التصويت ثم يُقصى بعد إعلان النتائج.

إن الرسالة التي حملتها الانتخابات الجزئية الأخيرة واضحة:
المواطن لا يعاني من أزمة تصويت، بل من أزمة ثقة في نمط انتخابي لم يعد يقنعه بأن صوته يصل فعلًا إلى من يشبهه ويدافع عن قضاياه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى