مجتمع

مدينة جرادة رمز النضال الجمعوي والنقابي ومعقل المسرح العمالي تواصل إشعاعها الثقافي عبر مسرح الطفل

ابراهيم ادريسي

 

في امتداد لمسار ثقافي متجذر في الذاكرة الجماعية لمدينة جرادة، احتضن المركب الاجتماعي لموظفي مجلس إقليم جرادة، مساء الثلاثاء 5 ماي 2026، حفل افتتاح الدورة الثالثة عشرة من مهرجان مفاحم الدولي لمسرح الطفل، الذي تنظمه فدرالية جمعيات إقليم جرادة، في موعد سنوي رسّخ حضوره داخل المشهد الثقافي الوطني، وتحول إلى محطة قارّة للاحتفاء بالفعل المسرحي الموجه للطفولة. وتحمل هذه الدورة اسم الراحل تابت لكبير، وفاءً لمساره الجمعوي والثقافي، وتقديراً لما مثّله من التزام بقيم العمل المدني والإشعاع الثقافي.

وتتأكد رمزية هذا الموعد الثقافي حين يُستحضر المسار التاريخي العميق للمسرح في مدينة جرادة، التي لا تختزل في بعدها المنجمي أو الاجتماعي فحسب، بل تُعد أيضاً إحدى الحواضن المسرحية البارزة بالمغرب. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، بدأت ملامح فعل ثقافي ناشئ تتشكل عبر النادي الثقافي العام بحاسي بلال، من خلال سكتشات ومشاهد مسرحية قصيرة كانت تعكس الواقع الاجتماعي للعمال، وتصل صداها عبر إذاعة وجدة الجهوية، في تعبير مبكر عن وعي فني يتغذى من الحياة اليومية.

ومع نهاية السبعينيات، وتحديداً سنة 1978، ستعرف جرادة منعطفاً مفصلياً بتأسيس أول فرقة مسرحية شبه احترافية على الصعيد الوطني تحت اسم “فرقة مناجم المغرب”، ضمت ممثلين وتقنيين من أبناء المدينة والوسط العمالي، لتُفتح بذلك مرحلة جديدة من التجريب المسرحي المنظم، الذي سيتطور لاحقاً إلى ما عُرف بـ”المسرح العمالي بجرادة”.

وقد بلغ هذا المسرح أوجه خلال الفترة الممتدة من أواخر السبعينيات إلى بداية التسعينيات، حيث تحولت المدينة إلى فضاء مسرحي حيّ داخل المركز الثقافي لجرادة، مع إنتاجات غزيرة لامست هموم العمال وقضاياهم اليومية، في تجربة لم تكن ترفاً جمالياً، بل كانت امتداداً للتعبير الاجتماعي والنقابي، ووسيلة لنقل نبض الحياة اليومية إلى الخشبة بلغة فنية مؤثرة.

وفي هذا السياق، لم تكن جرادة مجرد مجال مرتبط بالبعد المنجمي، بل شكلت أيضاً مختبراً مبكراً لتحول التجربة الإنسانية داخلها إلى فعل إبداعي، حيث ارتقى العمل اليومي إلى خطاب فني، وتحولت الذاكرة الجماعية إلى مصدر للإلهام المسرحي والتعبير الثقافي، ما رسّخ مكانتها كـ“معقل للمسرح العمالي” وفضاء رائد في التجربة المسرحية المغربية.

هذا الإرث الثقافي هو ما يمنح لمهرجان مفاحم الدولي لمسرح الطفل عمقه الرمزي، إذ لا يتعلق الأمر فقط بتظاهرة فنية، بل باستمرار لمسار تاريخي جعل من المسرح جزءاً من هوية المدينة وذاكرتها الحية، ومن الثقافة امتداداً طبيعياً لتجربة اجتماعية غنية بالتراكم والتحول.

ويأتي تنظيم هذه الدورة بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل، وبشراكة مع عمالة إقليم جرادة ووكالة تنمية جهة الشرق، في سياق وطني يراهن على الثقافة كرافعة للتنمية، وعلى المسرح كأداة للتربية وبناء الحس الجمالي لدى الناشئة.

وقد تميز حفل الافتتاح بحضور عامل إقليم جرادة إلى جانب شخصيات مدنية وعسكرية ومنتخبين وفاعلين ثقافيين وجمعويين، في مشهد يعكس المكانة التي بات يحتلها هذا المهرجان كموعد ثقافي جامع، يجمع بين البعد المحلي والانفتاح الدولي.

كما شهد الحفل لحظة وفاء فنية من خلال تكريم أسماء وازنة في الساحة الفنية المغربية، ويتعلق الأمر بالفنانة فاطمة وشاي، والفنان محمد حراكة، والفنانة صفاء جباري، والأستاذ بحي هورير، تقديراً لمساراتهم الإبداعية وإسهامهم في ترسيخ الفعل المسرحي.

واستأثر العرض الافتتاحي باهتمام الحاضرين، إذ استلهم ذاكرة الفحم بمدينة جرادة، محولاً التجربة المنجمية إلى لغة مسرحية كثيفة، تعيد قراءة الماضي من زاوية جمالية وإنسانية، وتربط بين الذاكرة والهوية في بناء بصري مؤثر.
وبمشاركة فرق مسرحية من بلدان عربية وأوروبية، يواصل المهرجان ترسيخ بعده الدولي كفضاء للتلاقح الثقافي وتبادل التجارب، خاصة في مجال مسرح الطفل، الذي بات يُنظر إليه كرهان تربوي وثقافي يسهم في تشكيل أجيال أكثر وعياً وانفتاحاً.

وفي هذا السياق، أكد مدير المهرجان عمرو الهواري أن هذه الدورة تراهن على تثمين النماذج الملهمة والانفتاح على تجارب مسرحية متنوعة، فيما أبرز الرئيس المؤسس نور الدين الصغير أن استمرارية هذا الموعد الثقافي منذ سنة 2013 تعكس قوة التراكم الجماعي والدعم المؤسساتي، وعلى رأسه عمالة الإقليم.

وهكذا، تواصل مدينة جرادة ترسيخ صورتها كفضاء يجمع بين ذاكرة نضال اجتماعي عميق وتجربة مسرحية رائدة، جعلت منها معقلاً للمسرح العمالي، ومنصة متجددة للإبداع الثقافي، تؤكد أن الثقافة ليست طارئاً على المدينة، بل امتداداً طبيعياً لتاريخها في البناء والتعبير والابتكار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى