وجهات نظر

سعيد بوطبسيل يكتب: حين يُخدش كبرياء الوطن: أحداث الملاعب كأزمة أعمق من الردع الزجري

 

​شكلت الأحداث التي رافقت مباراة “الكلاسيكو” لحظة مكثفة كشفت حجم التصدع الذي بات يطال صورة كرة القدم المغربية في عمقها الرمزي، بل ويمتد ليعكس اختلالات أوسع داخل النسيج المجتمعي.

​بين رقيّ “تمغربيت” ومرارة التخريب: جرح في الوجدان واعتداء على الأثر الرمزي

خلف الأرقام والقرارات التأديبية، ثمة غصة تسكن قلوب المغاربة وألم صامت يعتصر الوجدان؛ ألم نابع من مشاهدة فئة قليلة تخدش وجه الوطن في لحظة توهجه. فالمغربي الذي عرف عالميا بدماثة خلقه، وبتعدد روافده الثقافية الضاربة في القدم، وبحضارته التي تثني عليها الأمم، يجد نفسه اليوم أمام مرآة مشوهة لا تعكس حقيقته. إن هذا التخريب لا يستهدف كراسي الملاعب أو الحافلات فحسب، بل يمس “الكبرياء الوطني” في مقتل، وهو ما خلف جرحاً غائراً بسبب ما وقع من عنف، وبما شكلته تلك المشاهد المشينة من مساس بصورة المغرب كقوة صاعدة تسعى لترسيخ موقعها كفضاء للفرجة والانتماء الجماعي.

الإحساس بالخذلان يراودنا ونحن نعاين انكسار تلك الصورة التي لطالما مثلت جزءا من الذاكرة الجماعية والاعتزاز الرياضي والثقافي العريق، وتحولها بسرعة إلى مادة تُتداول خارجيا في سياق تتنافس فيه الصور والانطباعات بقدر ما تتنافس فيه النتائج. حينها، لا تجاوز الأمر التنافس الرياضي ليصبح انطباعا يتشكل لدى الآخر، وهو ما يجعل هذه الانزلاقات ذات أثر يتجاوز لحظتها، ليتحول هذا العبث إلى عنصر يثقل تمثلات الخارج ويغذي قراءاته المسبقة، في اعتداء صارخ على جمالية “تمغربيت” التي لطالما كانت مرادفاً للرقي والترحاب. إن هذا الشرخ الوجداني ليس مجرد شعور داخلي بالأسى، بل هو استنزاف مباشر لرصيدنا الرمزي الذي تراكم عبر عقود.

​بين صرامة النص وعجز الأثر

القرارات التأديبية التي أعلنتها العصبة الوطنية لكرة القدم الاحترافية جاءت صارمة وثقيلة في وقعها، مشحونة برغبة واضحة في إعادة فرض الانضباط. غير أن صرامة النص لا تعني بالضرورة فعالية الأثر، ولا تضمن أن الجرح الذي خلفته تلك الأحداث قابل للالتئام بمجرد مضاعفة العقوبات. إن اعتماد معاقبة الأندية، وفرض غرامات مالية عليها، وإغلاق المدرجات، ومنع تنقل الجماهير، يظل تدبيرا يحاول معالجة النتائج دون أن يلامس البنية العميقة التي تنتج هذا السلوك. فالعقوبات، حين تصبح جماعية، تفقد قدرتها على الردع النوعي، لأنها لا تصيب الفاعل المباشر بقدر ما تمتد إلى كيان النادي وجمهوره ككل، وهو ما يخلق شعورا بالظلم الجماعي بدل إرساء منطق المسؤولية الفردية. كما أن اللجوء إلى المقاربة الجنائية، رغم ضرورته في هذه الحالات، لا يكفي لإعادة تشكيل السلوك الجماهيري داخل الملاعب، لأن الظاهرة تتعدى كونها خرقا للقانون، لتتحول إلى تعبير عن توترات أوسع تجد في الفضاء الرياضي مجالا للتفريغ. وهنا يصبح التعامل الأمني أو الزجري وحده قاصرا عن استيعاب تعقيد الظاهرة.

وليس أسوء على المغرب امام العالم كله أن يُلعب اكبر ديربي في افريقيا بدون جمهور، فهذا عقاب لوطن وليس لفريق.

​تغول “الألترات”: حين يصبح الفصيل أسمى من النادي ومن اللعبة

لا يمكن قراءة اتساع رقعة العنف دون التوقف عند التحولات العميقة التي عرفتها بعض “الألترات”، والتي انحرفت في مسارها من فصائل للمساندة والاحتفالية الإبداعية إلى كيانات منغلقة بدأت تفقد السيطرة على قواعدها، أو في حالات أسوأ، أصبحت هي نفسها وقوداً للإذكاء. إن الخطورة تكمن في تصاعد “أيديولوجية الفصيل” التي جعلت الانتماء للألترات يتسامى فوق الانتماء للنادي نفسه، بل وأحياناً فوق احترام القوانين المنظمة للمجال العام.

هذا الانحراف تجلى في تحول المدرجات من فضاء للفرجة إلى منصات لرفع لافتات محرضة تحمل رسائل مشفرة وتصادمية، تتجاوز حدود التنافس الرياضي الشريف لتلامس منطق “التهديد المبطن” والمواجهة مع المؤسسات. والأخطر من ذلك هو مؤشرات استغلال هذه التجمعات الشبابية العفوية لخدمة أجندات غير رياضية، حيث يتم توظيف الحماس الجماهيري لتمرير مواقف أو الضغط في اتجاهات لا علاقة لها بمصلحة الكرة، مما يجعل من “الألترات” – في غياب التأطير الرصين – بيئة خصبة لإنتاج نوع من “العدوانية المنظمة” التي تقتات على الصدام وتغذي نعرات الكراهية بين المدن والمناطق. إن فشل هذه الفصائل في لعب دور “المؤطر” وتحولها إلى “طرف” في تأجيج الصراع، يضعنا أمام واقع جديد: المدرجات لم تعد تُدار بمنطق تشجيع الفريق، بل بمنطق “إثبات القوة” وفرض السطوة، ولو كان الثمن هو أمن المجتمع وسمعة الوطن.

​النموذج الإنجليزي في العقوبات الفردية

ومن بين الإجراءات الفعالة والحاسمة التي أعقبت أحداثا دامية في الملاعب الأوروبية، وعلى رأسها هيسل وكارثة هيلزبره، برز توجه واضح داخل إنجلترا نحو تجاوز منطق العقوبة الجماعية، والانتقال إلى استهداف الأفراد المتورطين بشكل مباشر في أعمال الشغب. هذا التوجه لم يقتصر على الحرمان من حضور المباريات، بل ارتبط ببناء منظومة تتبع فعالة، تعتمد على قواعد بيانات للمشاغبين، وتنسيق أمني محكم، واستخدام متطور لوسائل المراقبة داخل الملاعب ومحيطها، بما يسمح بتحديد المسؤوليات بشكل فردي ودقيق. وبهذا المعنى، لم تعد المسؤولية تذوب داخل الكتلة الجماهيرية، بل أصبحت محددة وقابلة للمساءلة المباشرة.

إن أهمية هذا النموذج لا تكمن فقط في فعاليته الردعية، بل في كونه أعاد التوازن إلى العلاقة بين النادي وجمهوره، حيث لم يعد الكيان الرياضي يؤدي ثمن أفعال فئة محدودة، ولم يعد الجمهور ككل عرضة لعقوبات جماقية قد تولد شعورا بالغبن. وهكذا، تحول الردع من إجراء عام إلى آلية دقيقة تستهدف مصدر الخلل، بدل الاكتفاء بتوسيع دائرة العقاب.

​الشباب كحاضنة اجتماعية للظاهرة: من الاحتواء الظرفي إلى الإدماج المستدام

وإذا كانت العقوبات، في حدودها الحالية، تعالج مظاهر الانفلات دون أن تلامس جذوره، فإن جوهر الإشكال يظل مرتبطا بامتداده داخل النسيج المجتمعي، خاصة في أوساط الشباب الذين يشكلون الكتلة الأساسية داخل المدرجات. فالشغب الكروي لا يمكن اختزاله في سلوك رياضي منحرف، بقدر ما يعكس تحولات أعمق في علاقة هذه الفئة بالمجال العام، وبمفاهيم الانتماء والتعبير والاعتراف. إن جزءا من هذا السلوك يجد تفسيره في غياب قنوات منظمة لاحتواء الطاقة الجماعية للشباب، حيث تتحول المدرجات إلى فضاء بديل للتعبير عن الذات، وأحيانا لتفريغ احتقان يتجاوز حدود الرياضة.
وفي هذا السياق، لا يبدو الحل محصورا في تشديد العقوبات، بل في إعادة بناء العلاقة بين هذه الفئة والمحيط المؤسساتي، عبر تأطير أشكال الانتماء الجماهيري، وفتح فضاءات للتعبير المنظم، وربط الممارسة الرياضية بمسارات تربوية وثقافية أوسع. إن معالجة الظاهرة تقتضي الانتقال من منطق الاحتواء الظرفي إلى منطق الإدماج المستدام، بما يعيد توجيه طاقة الشباب من الانفلات إلى المشاركة، ومن التوتر إلى الإسهام في إنتاج فرجة رياضية آمنة ومؤطرة. فاستعادة التوازن داخل الملاعب تمر، بالضرورة، عبر استعادة التوازن داخل المجتمع الذي يفرز هذه السلوكيات.

​الشغب الكروي كعرض لخلل أعمق يتجاوز العقوبة

إن الرهان الحقيقي لا يكمن في تشديد العقوبات، بل في إدراك أن ما جرى هو عرض لخلل أعمق، وأن استعادة هيبة الكرة المغربية وهيبة المغرب في ابهى صوره امام انظار العالن، تمر عبر معالجة هذا الخلل من جذوره، لا عبر الاكتفاء بتدبير نتائجه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى