سعيد بوطبسيل يكتب: ارتفاع أسعار المحروقات في المغرب..أسبابها وانعكاساتها الاقتصادية والاجتماعية

تشكل أسعار المحروقات في المغرب اليوم عنصراً أساسياً يحدد كلفة المعيشة اليومية للمواطن، إذ تجاوزت تأثيراتها حدود الأخبار الاقتصادية لتصبح ضغطاً يومياً ملموساً على حياة الأسر. فكل زيادة في سعر اللتر تنتقل بسرعة لتؤثر على النقل والغذاء والخدمات، في بلد يبلغ فيه الحد الأدنى للأجور حوالي 3500 درهم.
وتبرز أهمية هذا التحليل في التساؤل عن أسباب شدة ارتفاع الأسعار داخلياً في فترات وجيزة، حتى في حالة انخفاضها على المستوى الدولي، و بعد ذلك عودتها داخليا للانخفاض بشكل بطيء جدا وبسنتيمات قليلة.
تقلبات السوق الدولية: معطيات مؤثرة لكنها غير حاسمة
شهدت أسعار النفط العالمية تقلبات واضحة، إذ انتقلت من نطاق 70–85 دولاراً للبرميل إلى حدود 100 دولار أو أكثر في فترات التوتر، كما ارتفعت أسعار الغازوال والبنزين بنسبة تتراوح بين 20% و40%.
غير أن هذه التغيرات، رغم أهميتها، لا تفسر وحدها شدة الارتفاع على المستوى المحلي، حيث تجاوز سعر الغازوال 14 درهماً للتر، والبنزين مستويات أعلى، بما يفوق الزيادات المقابلة في الأسواق العالمية.
توقف مصفاة “سامير”: أثر هيكلي على كلفة المحروقات
أدى توقف مصفاة سامير إلى فقدان المغرب إحدى الأدوات الاستراتيجية الأساسية للسيطرة على كلفة المحروقات. فالمغرب لم يعد يملك القدرة على تكرير النفط الخام محلياً، بل أصبح يعتمد على استيراد محروقات مكررة جاهزة، وهو ما يرفع السعر النهائي نظراً لتراكم عناصر التكلفة:
* ثمن النفط الخام المستورد
* كلفة التكرير من الخارج
* النقل والتخزين
* هوامش الشركات الموردة
وبذلك، يشتري السوق المغربي الوقود في شكله النهائي وبسعره الأعلى.
تحرير الأسعار ومحدودية الضبط
كان الهدف من تحرير أسعار المحروقات خلق منافسة قادرة على خفض الأسعار، إلا أن السوق المحلي شكل بنية شبه مغلقة، إذ بقيت الأسعار مرتفعة ومتقاربة بين مختلف الفاعلين.
غياب سقف واضح لهوامش الربح وضعف آليات الرقابة جعل من السوق بيئة أكثر عرضة للارتفاعات من كونها مساحة حقيقية للمنافسة.
مقارنة مع إسبانيا
اعتمدت إسبانيا، رغم اعتمادها على استيراد المحروقات، سياسة واضحة للتخفيف من أثر الارتفاع على المواطن، تتمثل في:
* تخفيض الضرائب على المحروقات
* تقديم دعم مباشر للمستهلك بلغ حوالي 2.2 درهم لكل لتر
* مراقبة هوامش الربح لضمان شفافية السوق
في المغرب، تم توجيه الدعم لقطاع النقل، على افتراض انعكاسه على المواطن، إلا أن الواقع أظهر محدودية هذا التأثير، ما يثير تساؤلات جدية حول فعالية آليات الدعم الحالية.
دعم محدود الأثر على المواطن
يبقى الدعم الموجه لقطاع النقل، في ظل غياب آليات مراقبة صارمة، عرضة لعدة اختلالات:
* عدم انعكاسه بالضرورة على أسعار النقل والخدمات
* عدم استفادة المواطن بشكل مباشر
* استمرار موجة الغلاء الممتدة إلى جميع السلع الأساسية
وبذلك، يظل المواطن الحلقة الأضعف، يدفع الأعباء كاملة دون أن يكون طرفاً فاعلاً في المعادلة.
الأثر الاقتصادي والاجتماعي
يؤدي ارتفاع سعر الغازوال بحوالي 3.50 درهم للتر إلى تأثيرات متسلسلة على:
* المواد الغذائية والخضروات والفواكه
* النقل الحضري والقروي وما بين المدن
* المواد الأساسية للبناء والإنتاج
* تكاليف الخدمات
* كل المنتوجات الضرورية اليومية
ينعكس ذلك على التضخم العام، ويؤدي إلى تآكل تدريجي للقدرة الشرائية، دون أن يصاحبه تحسين ملموس في مستويات الأجور.
إن ارتفاع أسعار المحروقات في المغرب مرتبط بعدة عوامل متداخلة:
* تقلبات السوق الدولية
* غياب التكرير المحلي كأداة استراتيجية
* تحرير الأسعار دون تأطير مؤسسي فعال
* محدودية أثر الدعم المباشر على المواطن
وبما ان المحروقات تشكل عنصراً محورياً في الاقتصاد المغربي، فإن أي اختلال في تدبيرها ينعكس بشكل مباشر على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
والحاجة اليوم واضحة إلى مراجعة شاملة لآليات تدبير هذا القطاع الحيوي، بما يحقق التوازن بين متطلبات السوق وحماية القدرة الشرائية للمواطن.
السؤال الرئيسي الذي يطغى على الجو العام لم يعد: كم يبلغ سعر اللتر؟
بل: إلى متى سيتمكن المواطن من تحمله؟



