وجهات نظر

خديجة الفقير تكتب …..شباب المغرب بين خطاب التحفيز وواقع الانسداد

 

 

لا يختلف اثنان على أن دعوة الشباب إلى المشاركة السياسية تبدو، في ظاهرها، موقفا سليما ومطلوبا. فالتصويت، والترشح، والانخراط في الشأن العام، هي أدوات أساسية لأي تحول ديمقراطي. غير أن الاكتفاء بخطاب تحفيزي يُحمّل الشباب مسؤولية التغيير، دون مساءلة الشروط الموضوعية التي تعيق هذا التغيير، يُحوّل الدعوة نفسها إلى نوع من التبسيط المخل… وربما إلى تبرئة غير مباشرة لبنية سياسية مأزومة.

المشكلة في المغرب ليست فقط في عزوف الشباب، بل في طبيعة العرض السياسي المقدم لهم. حين تتشابه البرامج، وتغيب المحاسبة، ويضعف التداول الحقيقي على المسؤولية، يصبح السؤال أكثر عمقا من مجرد: “لماذا لا يشارك الشباب؟” بل يتحول إلى: “في ماذا سيشارك؟ ومن أجل ماذا؟”

 

لقد ترسخ لدى فئات واسعة من الشباب شعور بأن السياسة لا تغيّر كثيرا، وأن نتائج الانتخابات لا تعكس دائما حجم الانتظارات. هذا الإحساس لا يولد من فراغ، بل يتغذى من تجارب متكررة: وعود لا تتحقق، نخب تعود بوجوه جديدة وخيارات قديمة، ومسارات انتخابية تفرز نفس التوازنات مهما تغيرت نسب المشاركة.

ثم إن الحديث عن الترشح كخيار متاح للجميع، يغفل عوائق واقعية: كلفة الحملات، منطق التزكيات الحزبية، شبكات النفوذ، وضعف تكافؤ الفرص. فالدخول إلى الحقل السياسي ليس مجرد قرار فردي، بل هو عبور داخل بنية معقدة، تقصي أحيانا أكثر مما تفتح المجال.

 

من جهة أخرى، لا يمكن إنكار أن جزءا من الأزمة يعود فعلا إلى سلوك بعض الشباب، حيث يتحول النقد إلى بديل عن الفعل، والغضب إلى موقف دائم لا يترجم إلى مشاركة. غير أن هذا السلوك نفسه هو نتيجة لانسداد الأفق، وليس سببا وحيدا له. فالثقة لا تطلب بخطاب، بل تبنى بتجارب ملموسة تُقنع المواطن بأن صوته يُحدث فرقا.

المفارقة أن الخطاب الذي يدعو الشباب إلى “انتزاع حقوقهم عبر المشاركة” يصطدم بواقع يجعل هذه المشاركة، في كثير من الأحيان، بلا أثر واضح. وهنا يكمن التحدي الحقيقي: ليس فقط تحفيز الشباب، بل إصلاح قواعد اللعبة السياسية نفسها، حتى تصبح المشاركة ذات معنى.

إن أي رهان جدي على دور الشباب يمر عبر ثلاث مداخل أساسية: أولها تجديد النخب بشكل حقيقي، لا شكلي، يفتح المجال أمام كفاءات جديدة دون وصاية. ثانيها تعزيز الثقة عبر ربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى لا تبقى الانتخابات مجرد محطة عابرة بلا أثر. وثالثها تبسيط شروط الولوج إلى السياسة، بما يضمن تكافؤ الفرص ويحد من هيمنة المال والنفوذ.

 

في النهاية، لا يمكن مطالبة الشباب بأن يكونوا وقود التغيير، في حين أن محركات هذا التغيير معطلة. المشاركة ليست واجبا أخلاقيا فقط، بل هي تعاقد ضمني: يمنح فيه المواطن صوته مقابل أمل واقعي في التأثير.

شباب المغرب ليسوا عاجزين عن الفعل… لكنهم أيضا ليسوا سذجا إلى حد المشاركة في مسار لا يفضي إلى نتائج.

والسؤال الذي يجب أن يطرح اليوم بجرأة ليس فقط: هل سيشارك الشباب؟

بل: هل توجد شروط تجعل مشاركتهم ذات جدوى؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى