بيئة وتنمية

مراكش تستعد لاحتضان المؤتمر العالمي للمياه: منصة دولية لرسم معالم سياسات مائية جديدة. 

محمد المرابطي

 

تتحوّل مدينة مراكش، مطلع دجنبر 2025، إلى نقطة التقاء دولية كبرى لخبراء وسياسيين وباحثين في مجال المياه، حيث تستضيف النسخة التاسعة عشرة من المؤتمر العالمي للمياه، المنظم بشراكة بين الرابطة الدولية لموارد المياه ووزارة التجهيز والماء. ويأتي هذا الموعد تحت شعار “المياه في عالم متغير: الابتكار والتكيف”، عاكسا حجم التحديات التي تواجهها الدول في إدارة الموارد المائية ضمن سياق مناخي عالمي غير مستقر.

حدث دولي بوزن استراتيجي ،

حيث يرتقب أن تستقطب هذه الدورة أكثر من 1500 مشارك من مختلف أنحاء العالم، من حكومات ومؤسسات بحثية وقطاع خاص ومنظمات دولية، وذلك لتبادل الخبرات واستعراض أحدث الابتكارات في إدارة الموارد المائية. ويتضمن البرنامج جلسات وزارية وندوات رفيعة المستوى، إلى جانب أزيد من 140 جلسة تقنية ستناقش رهانات الأمن المائي وسبل تطوير حلول ناجعة لمواجهة التحولات المناخية.

تأتي استضافة المغرب لهذا المؤتمر في وقت يواصل فيه تنفيذ واحدة من أكثر الاستراتيجيات طموحا في منطقة شمال إفريقيا، مستندًا إلى رؤية ملكية واضحة جعلت من المياه أولوية وطنية. فقد فرضت سنوات الجفاف المتتالية وانخفاض مخزون السدود ضرورة تبني مقاربة جديدة تعتمد على تنويع مصادر المياه، من خلال تحلية مياه البحر، ونقل المياه بين الأحواض، وإعادة استعمال المياه المعالجة.

ويعتبر البرنامج الوطني للتزويد بالماء الصالح للشرب والري، بميزانيته الضخمة التي تصل إلى 143 مليار درهم، الإطار المركزي لهذه السياسة، مع تركيز استثماري قوي على البنى التحتية المائية الكبرى.

شهد المغرب خلال السنوات الأخيرة تسارعا لافتا في تشييد محطات التحلية، ما جعله من بين الدول الإفريقية الرائدة في هذا المجال. فالمملكة تتوفر اليوم على 17 محطة عاملة، فيما يجري إعداد أربع محطات أخرى ستعزز القدرة السنوية بما يفوق نصف مليار متر مكعب.

وتبرز محطة الدار البيضاء الضخمة، التي أعطيت انطلاقتها سنة 2024، بوصفها المشروع الأكبر من نوعه في القارة، حيث ستوفر 300 مليون متر مكعب سنويا لتأمين حاجيات ملايين السكان في وسط المغرب.

ولمواجهة التباين الكبير في توزيع المياه بين مختلف جهات المملكة، انخرط المغرب في مشروع نقل المياه بين الأحواض، الذي يشكل ثورة حقيقية في البنية التحتية المائية. المرحلة الأولى، التي تربط بين حوض سبو وأبي رقراق، دخلت الخدمة بالفعل، فيما تتجه المرحلة الثانية والثالثة نحو إنشاء شبكة مائية وطنية قادرة على تزويد المناطق الأكثر تأثراً بالجفاف. هذا المشروع يحظى بدعم دولي، لاسيما من خلال شراكات مع دول رائدة في القطاع، ما يعزز قدرة المغرب على تنفيذ مشاريع معقدة ذات بعد استراتيجي كبير.

كذلك ، يُعَدّ تدوير مياه الصرف الصحي من الخيارات المستقبلية الأكثر أهمية، حيث يطمح المغرب إلى رفع حجم المياه المعالجة المستعملة إلى 573 مليون متر مكعب بحلول 2040. وتُعد التقنيات الجديدة في الدار البيضاء ومشاريع OCP ورينو أمثلة بارزة على دمج إعادة الاستعمال في الأنشطة الصناعية والحضرية.

ورغم التقدم المسجل، لا يزال تنزيل القانون 36-15 ينتظر استكمال عدد من النصوص التنظيمية، حتى يتمكن من تحقيق أهدافه في تنظيم الموارد والإشراف على الاستثمارات الكبرى. ويؤكد خبراء أن تسريع هذا الورش سيعزز ثقة المستثمرين ويدعم فعالية المشاريع.

وفي هذا السياق، تعد مراكش بوابة لنقاش عالمي حول مستقبل المياه

حيث عبر هذا المؤتمر الدولي، يسعى المغرب إلى تعزيز موقعه كفاعل رئيسي في الدبلوماسية المائية، وكمختبر لمقاربات جديدة في إدارة الموارد، في وقت تتجه فيه دول العالم إلى إعادة التفكير جذريًا في أنظمة الماء التي تهددها تقلبات المناخ وزيادة الطلب السكاني والاقتصادي ، ومن المتوقع أن يخرج المؤتمر بتوصيات ومبادرات قادرة على الإسهام في رسم مسارات جديدة لسياسات المياه على المستوى العالمي، فيما يواصل المغرب المضي بثبات نحو ضمان أمنه المائي للأجيال المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى