الداخلية تعيد هندسة التنمية الترابية: من عطالة المجالس إلى بناء نموذج جديد

يونس المنصوري
في وقت تتسع فيه الهوة بين الخطاب التنموي والواقع المعاش في الضواحي والمناطق الهشة، تتحرك وزارة الداخلية عبر مختلف العمالات لإطلاق جيل جديد من البرامج التنموية، في خطوة وُصفت داخل الأوساط الإدارية بأنها “إعادة ترتيب البيت الترابي” بعدما عجزت المجالس المنتخبة، مرة أخرى، عن ترجمة انتظارات المواطنين إلى مشاريع ملموسة.
سنوات من تدبير الشأن المحلي كشفت أن جزءًا كبيرًا من الإشكالات لا يتعلق بغياب الموارد فقط، بل بغياب الرؤية.
اختلالات تنموية، طرق متهالكة، مراكز قروية بلا مرافق، تعطيل متبادل بين مكونات المجالس، وتدبير سياسي يغلب عليه الحساب الانتخابي بدل المصلحة العامة…
هذا الواقع دفع الداخلية إلى التدخل ليس عبر حلول ترميمية، بل من خلال إعداد نموذج تنموي محلي متكامل يعيد ضبط قواعد اللعبة ويُلزم أي مجلس مقبل باحترام رؤية واضحة تتجاوز المزاج والاصطفاف السياسي.
لقاءات تشاورية بصيغة جديدة وخلال الأسابيع الأخيرة، احتضنت العديد من العمالات اجتماعات موسعة جمعت العمال، رؤساء الجماعات، المنتخبين، والفاعلين المحليين.
ووفق مصادر حضرت بعض هذه اللقاءات، فقد اتضح أن المقاربة الجديدة تقوم على:
تحديد حاجيات كل إقليم بدقة
ترتيب الأولويات وفق معايير موضوعية
النقاش لم يعد يدور حول المشاريع القابلة للتسويق الانتخابي، بل حول المشاريع القادرة على وقف نزيف التفاوتات التي غذّت لسنوات موجات من الاحتقان الاجتماعي في عدد من الأقاليم.
ولأول مرة، فتحت العمالات منصات إلكترونية لاستقبال اقتراحات المواطنين بشأن الأولويات التنموية داخل أقاليمهم.
خطوة تعكس تحولًا مهمًا في آليات تدبير السياسات الترابية، إذ تنتقل الدولة من منطق “الإعلام” إلى منطق “الاستشارة” ومن تصور الساكنة كـمتلقٍ سلبي إلى اعتبارها عنصرًا مشاركًا في صياغة التنمية.
التحركات الجديدة تأتي في انسجام واضح مع التوجيهات الملكية الأخيرة التي شددت على ضرورة تحقيق العدالة المجالية وتعزيز الحكامة الترابية.
وهو ما أكدته مصادر من داخل بعض العمالات، مشيرة إلى أن التعليمات كانت واضحة:
برامج واقعية، قابلة للتنفيذ، تستجيب للحاجيات الفعلية، وتضمن تعميم الخدمات الأساسية في المناطق الأكثر هشاشة.
رغم كون الدستور منح الأحزاب دورًا مركزيًا في تأطير المواطنين وتدبير الشأن العام، فإن الواقع يعكس شيئًا آخر.
المجالس المنتخبة، في عدد كبير من الجماعات، أصبحت رهينة صراعات داخلية وشخصنة مفرطة، ما جعل الزمن التنموي يُهدر بلا عائد.
هذا الفراغ السياسي هو الذي دفع الداخلية إلى الإمساك بزمام المبادرة، حتى لا تبقى التنمية المحلية مشروعًا مُعلّقًا على توافقات هشة أو حسابات ضيقة.
الجيل الجديد من البرامج الذي تعمل الداخلية على بلورته يُتوقع أن يشكل خارطة طريق واضحة تلزم جميع الفاعلين باعتماد رؤية تنموية دقيقة، وأن يحول دون تكرار مسلسل الفشل الذي طبع تجربتين انتخابيتين متتاليتين في عدد من الأقاليم.
لكن يبقى السؤال المفتوح:
هل يكفي إنتاج نموذج تنموي لتجاوز إشكالات أعمق ترتبط بثقافة التدبير، وطريقة اختيار النخب، ومستوى المسؤولية السياسية؟
اليوم، الدولة تتحرك، المواطن يشارك، والعمالات تعيد ترتيب الأولويات…
لكن نجاح هذا المخطط سيظل مرهونًا بمدى قدرة المنتخبين في المستقبل على الالتزام بالمسار الجديد، لا على العودة إلى نفس الصراعات التي أدخلت التنمية في دوامة الانتظار.



